الصفحة 104 من 114

التوحيد{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون}

التوحيد هو المقوّم الأول للتصور الإسلامي، بما أنه هو الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، ولكنه كذلك هو إحدى خصائص هذا التصور، بما أن التصور الإسلامي يتفرد بهذه الصور الخالصة من التوحيد، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في الأرض جميعًا ... وبهذا الاعتبار نتحدث هنا عن"التوحيد"ضمن"خصائص التصور الإسلامي"كما سنتحدث عنه في القسم الثاني من هذا البحث، ضمن"مقومات التصور الإسلامي"...

نتحدث عنه هنا ضمن الخصائص، لنبين نوع تفرد التصور الإسلامي بهذه الخاصية، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في جنبات الأرض.

ونبادر فنقرر أن"التوحيد"كان هو"الخاصية"البارزة في كل دين جاء به من عند الله رسول، كما أنه كان"المقوّم الأول"في دين الله كله ... وأن"الإسلام"- على إطلاقه - كان هو الدين الذي جاء به كل رسول، بما أن الدين هو إسلام الوجه لله وحده، واتباع منهج الله - وحده - في كل شؤون الحياة، والتلقي من الله - وحده - في هذا الشؤون كلها، والعبودية لله وحده بطاعة منهجه وشريعته ونظامه، والعبادة لله وحده سواء في الشعائر التعبدية أو في نظام الحياة الواقعية ... ولكن التحريفات والانحرافات التي وقعت في تصورات أتباع الرسل، إلى جانب طغيان الجاهليات على الديانات، لم تبق في الأرض كلها من تصور ديني صحيح، إلا التصور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحفظ الله أصوله، فلم تمتد إليها يد التحريف، ولم تطمسها كذلك الجاهليات التي طغت على حياة الناس ... ومن ثم أصبح"التوحيد"خاصية من خصائص هذا الدين.

هنالك اعتبار آخر يجعل من حقنا أن نقرر هذه الحقيقة ... حقيقة أن التوحيد خاصية لهذا التصور، وهو المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في العقيدة الإسلامية، والجوانب التي تمتد إليها في هذا التصور، وفيما يقوم على هذا التصور من مشاعر وأخلاق وسلوك وتنظيم لجوانب الحياة الواقعية ... فقد امتدت هذه الحقيقة إلى تصور المسلم للكون كله، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة فيه، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة على حياته هو بحذافيرها، كما أمتدت إلى تنظيم جوانب الحياة الإنسانية كلها: خافيها وظاهرها، صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، شعائرها وشرائعها، اعتقاديها وعمليها، فرديها وجماعيها، دنيويها وأخرويها ... بحيث لا تفلت ذرة واحدة منها من عقيدة التوحيد الشاملة ... كما سبق أن بينا في خاصية"الشمول"... وكما سنبين بالتفصيل في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن"حقيقة الألوهية".

يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية ... ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه ... وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية، كذلك"يتفرد"- تبعًا لهذا - بكل خصائص الألوهية ... وكما يشترك كل حي وكل شيء - بعد ذلك - في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية ... فهناك إذن وجودان متميزان، وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق، والإله بالعبيد ...

هذه هي القاعدة الأولى في التصور الإسلامي ... ومنها تنبثق وعليها تقوم سائر القواعد الأخرى ... وقيام التصور الإسلامي على هذه القاعدة الأساسية هو الذي يجعلها إحدى خصائصه كما أسلفنا.

ولقد سبق القول بأن"التوحيد"كان هو قاعد كل ديانة جاء بها من عند الله رسول، والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة، ويؤكدها، ويكررها في قصة كل رسول، كما يقررها إجمالًا على وجه القطع واليقين ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت