والخاصية الخامسة البارزة في التصور الإسلامي هي ... الإيجابية ... الإيجابية الفاعلة في علاقة الله سبحانه بالكون والحياة والإنسان، والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته، في حدود المجال الإنساني ... كما أشرنا إلى ذلك من قبل إشارات مجملة ...
إن الصفات الإلهية في التصور الإسلامي ليست صفات سلبية، والكمال الإلهي ليس في الصورة السلبية التي جالت في تصور أرسطو، وليست مقصورة على بعض جوانب الخلق والتدبير كما تصور الفرس في صفات"هرمز"إله النور والخير واختصاصاته وصفات"أهرمان"إله الظلام والشر واختصاصاته، وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين، وليست محدودة بحدود شعب كتصورات بني إسرائيل، وليست مختلطة أو متلبسة بإرادة كينونة أخرى، كبعض تصورات الفرق المسيحية، وليست معدومة على الإطلاق، كما تقول المذاهب المادية، التي تنفي وجود الإله الحي المريد ... إلى آخر هذا الركام ...
ولعله يحسن قبل أن نعرض التصور الإسلامي الواضح الصريح المريح، أن نثبت مجملًا سريعًا لهذه التصورات التي أشرنا إليها، أو لهذا الركام، الذي أشرنا إلى شيء منه في أوائل هذا الكتاب وفي ثناياه ...
"مذهب أرسطو في الإله أنه كائن أزلي أبدي، مطلق الكمال، لا أول له ولا آخر، ولا عمل له ولا إرادة! مذ كان العمل طلبًا لشيء، والله غني عن كل طلب، وقد كانت الإرادة اختيارًا بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال، فلا حاجة إلى الاختيار بين صالح وغير صالح، ولا بين فاضل ومفضول، وليس مما يناسب الإله - في رأي أرسطو - أن يبتدئ العمل في زمان، لأنه أيدي سرمدي، لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر، ولا جديد ولا قديم، وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه، التي لا بغية وراءها، ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه!"
فالإله الكامل المطلق الكمال، لا يعنيه أن يخلق العالم، أو يخلق مادته الأولى - وهي الهيولي - ولكن هذه"الهيولي"قابلة للوجود، يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود، الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك وتعمل، بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقال عنها: إنها من خلقة الله، إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار" [48] ."
والفرس كانوا يعتقدون بالثنوية، ويجعلون للخير إلهًا هو"هرمز"، قدرته واختصاصه مقصوران على عالم النور والخير، ويجعلون للشر إلهًا هو"أهرمان"قدرته واختصاصه مقصوران على عالم الظلام والشر، وهما أخوان مولودان لإله قديم اسمه"زروان"!
"وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة، وأهرمان غافل عنه في قراره السحيق، فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة، وعلم أن النور وشيك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذًا يعتصم بهن ويضمن فيه البقاء، فثار، وثارت معه خلائق الظلام - وهي شياطين الشر والفساد - فأحبطت سعي هرمز! وملأت الكون بالخبائث والأرزاء [49] ... الخ".
واحتدمت المعركة وما تزال.