أما"أفلوطين"الذي عاش في السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد ... فإنه يغلو فيما يراه تنزيها لإلهه الأحد، حتى يتجاوز كل معقول، فإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إلهه ألا يشعر بغير ذاته، وألا يفكر إلا في ذاته لا يفكر إلا في أشرف الموجودات، وذاته هي أشرف الموجودات، وأنه لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها ... إذا كان تنزيه أرسطو لإلهه وقف به عند هذا الحد، فإن أفلوطين راح يزعم أن من كمال إلهه الأحد أنه لا يشعر بذاته كذلك! لأنه يتنزه عن ذلك الشعور!
"وبديه أن المذهب يقتضي وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله"الأحد"المطلق الصفاء، وبن المخلوقات العلوية، وهذه المخلوقات السفلية، ولا سيما خلائق الحيوان المركب في الأجساد."
وهكذا لزم أفلوطين أن يقول: إن الواحد خلق العقل، وإن العقل خلق الروح، وإن الروح خلقت مادونها من الموجودات، على الترتيب الذي ينحدر طورًا دون طور، إلى عالم الهيولي، أو علم المادة والفساد!" [50] ."
ومن ثم ينحصر اختصاص الإله - عند أفلوطين - في خلق العقل ... ثم تنتهي مهمته عند ذاك!
أما إله بني إسرائيل"يهوا"- كما ترسمه تصوراتهم المنحرفة - فهو إله إسرائيل الخاص! الذي يغار من عبادة شعب إسرائيل للآلهة الغريبة، فيثور ويغضب ويحطم وينتقم، حتى إذا عاد الشعب إليه رضى واستراح، وكف عن النقمة والتدمير، وندم على ما فعل بشعبه المختار!
والتصورات الكنسية عن طبيعة المسيح وإرادته، وتلبسهما باللاهوتية، سبق أن أشرنا إليها في فصل"تيه وركام"، وهي تجعل إرادة الله متلبسة أو متجسمة في إرادة المسيح ... إلى أخر هذا الركام [51] !
وكذلك أشرنا إلى تصورات الوضعيين الماديين المختلفة بما فيه الكفاية، فيرجع إليها هناك [52] .
والآن ننتقل من هذا الركام المتناثر إلى التصور الإسلامي المستقيم الواضح المريح:
إن الإنسان - في التصور الإسلامي - يتعامل مع إله موجود، خالق، مريد، مدبر، مهيمن، قادر، فعال لما يريد ... كامل الإيجابية والفاعلية ... إليه يرجع الأمر كله، وإلى إرادته يرجع خلق هذا الكون ابتداء، وكل انبثاقة فيه بعد ذلك، وكل حركة، وكل تغير وكل تطور، ولا يتم في هذا الكون شيء إلا بإرادته وعلمه وتقديره وتدبيره، وهو سبحانه مباشر بإرادته وعلمه وتدبيره لكل عبد من عباده، في كل حال من أحواله ولكل حي ولكل شيء وفي هذا الوجود كذلك.
ويحفل القرآن الكريم بتقرير هذه الحقيقة الأساسية الكبيرة في التصور الإسلامي، بكل صورها وأشكالها، ويهتم بعرض مظاهرها في كل جانب من جوانب الكون، وفي كل صورة من صورها المتجددة التي لا تحصى ...
{إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] .
{وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليمًا قديرًا} [فاطر: 44] .
{قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب} [آل عمران: 26،27] .
{وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير} [الأنعام: 18] .