من الخاصية الأساسية للتصور الإسلامي - خاصية الربانية - تنبثق سائر الخصائص الأخرى، وبما أنه"رباني"صادر من الله، وظيفة الكينونة الإنسانية فيه هي التلقي والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة، وبما أنه ليس نتاج فكر بشري، ولا بيئة معينة، ولا فترة من الزمن خاصة، ولا عوامل أرضية على وجه العموم ... إنما هو ذلك الهدى الموهوب للإنسان هبة لدنية خالصة من خالق الإنسان، رحمة بالإنسان ...
بما أنه كذلك، فمن الخاصية فيه تنشأ خاصية أخرى ... خاصية:"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت".
هناك"ثبات"في"مقومات"هذا التصور الأساسية، و"قيمه"الذاتية، فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير"ظواهر"الحياة الواقعية، و"أشكال"الأوضاع العملية ... فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع، يظل محكومًا بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور ...
ولا يقتضي هذا"تجميد"حركة الفكر والحياة، ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة - بل دفعها إلى الحركة - ولكن داخل هذا الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت ...
وهذه السمة - سمة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت - هي طابع الصنعة الإلهية في الكون كله - فيما يبدو لنا - لا في التصور الإسلامي وحده.
"مادة"هذا الكون - سواء كانت هي الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها، أو أية صورة أخرى - ثابتة الماهية، ولكنها تتحركن فتتخذ أشكالًا دائمة التغير والتحور والتطور.
والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات في مدار ثابت.
وكل كوكب وكل نجم له مداره، يتحرك فيه حول محوره، حركة منتظمة، محكومة بنظام خاص.
و"إنسانية"هذا الإنسان، المستمدة من كونه مخلوقًا فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله ... إنسانية هذا الإنسان ثابتة [29] ، ولكن هذا"الإنسان"يمر بأطوار جنينية شتى من النطفة إلى الشيخوخة! ويمر بأطوار اجتماعية شتى، يرتقي فيها وينحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته، ولكن هذه الأطوار وتلك لا تخرجه من حقيقة"إنسانيته"الثابتة، ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته.
ونزوع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضي وتطويره ... حقيقة ثابتة كذلك ... منبثقة أولًا من الطبيعة الكونية العامة، الممثلة في حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام في الكون، ومنبثقة ثانيًا من فطرة هذا الإنسان، وهي مقتضى وظيفته في خلافة الأرض، فهذه الخلافة تقتضي الحركة لتطوير الواقع الأرضي وترقيته ... أما أشكال هذه الحركة فتتنوع وتتغير وتتطور [30] .
وهكذا تبدو سمة:"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت"سمة عميقة في الصنعة الإلهية كلها، ومن ثم فهي بارزة عميقة في طبيعة التصور الإسلامي.
ونحن نسبق السياق هنا، فنستعرض نماذج من المقومات والقيم الثابتة في هذا التصور - سيجئ تفصيل الكلام عنها في موضعه في القسم الثاني من هذا البحث - وهي التي تمثل"المحور الثابت"الذي يدور عليه المنهج الإسلامي في إطاره الثابت.
إن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية - وهي قاعدة التصور الإسلامي - ثابت الحقيقة، وثابت المفهوم أيضًا، وغير قابل للتغيير ولا للتطوير:
حقيقة وجود الله، وسرمديته، ووحدانيته - بكل إشعاعاتها - وقدرته، وهيمنته، وتدبيره لأمر الخلق، وطلاقة مشيئته ... إلى آخر صفات الله الفاعلة في الكون والحياة والناس ...