الصفحة 44 من 114

وحقيقة أن الكون كله - أشياءه وأحياءه - من خلق الله وإبداعه، أراده الله سبحانه فكان، وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون، أثارة من أمر الخلق في هذا الكون، ولا التدبير ولا الهيمنة، ولا مشاركة في شيء من خصائص الألوهية بحال ...

وحقيقة العبودية لله ... عبودية الأشياء والأحياء ... وعموم هذه العبودية للناس جميعًا، بما فيهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عبودية مطلقة، لا تتلبس بها أثارة من خصائص الألوهية، مع تساويهم في هذه العبودية ...

وحقيقة أن الإيمان بالله - بصفته التي وصف بها نفسه - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ... شرط لصحة الأعمال وقبولها، وإلا فهي باطلة من الأساس، غير قابلة للتصحيح، ومردودة غير محتسبة وغير مقبولة ...

وحقيقة أن الله لا يقبل من الناس دينًا سواه، وأن الإسلام معناه إفراد الله سبحانه بالألوهية وكل خصائصها، والاستسلام لمشيئته، والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته، وأن هذا هو دينه الذي ارتضاه، لا أي دين سواه.

وحقيقة أن"الإنسان"- بجنسه - مخلوق مكرم على سائر الخلائق في الأرض مستخلف من الله فيها، مسخر له كل ما فيها، ومن ثم فليست هناك قيمة مادية في هذه الأرض تعلو قيمة هذا الإنسان، أو تهدر نم أجلها قيمته ...

وحقيقة أن الناس من أصل واحد، ومن ثم فهم - من هذه الناحية - متساوون، وأن القيمة الوحيدة التي يتفاضلون بها - فيما بينهم - هي التقوى والعمل الصالح، لا أية قيمة اخرى، من نسب، أو مال، أو مركز، أو طبقة، أو جنس ... إلى آخر القيم الأرضية.

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة لله ... بمعنى العبودية المطلقة لله وحده، بكل مقتضيات العبودية، وأولها الائتمار بأمره - وحده - في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرا والتوجه إليه - وحده - بكل نية وكل حركة، وكل خالجة وكل عمل، والخلافة في الأرض وفق منهجه - أو بتعبير القرآن وفق دينه - إذ هما تعبيران مترادفان عن حقيقة واحدة ...

وحقيقة أن رابطة التجمع الإنساني هي العقيدة، وهي هذا المنهج الإلهي ... لا الجنس، ولا القوم، ولا الأرض، ولا اللون، ولا الطبقة، ولا المصالح الاقتصادية أو السياسية، ولا أي اعتبار آخر من الاعتبارات الأرضية ...

وحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الآخرة دار حساب وجزاء، وأن الإنسان مبتلى وممتحن في كل حركة، وفي كل عملن وفي كل خير يناله أو شر، وفي كل نعمة وفي كل ضر ... وأن مرد الأمور كلها إلى الله ...

هذه وأمثالها من المقومات والقيم - التي سنعرض لها بالتفصيل في مواضعها في القسم الثاني من هذا البحث - كلها ثابتة، غير قابلة للتغير ولا للتطور ... ثابتة لتحرك ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع في إطارها، وتظل مشدودة إليها، ولتراعي مقتضياتها في كل تطور لأوضاع الحياة، وفي كل ارتباط يقوم في المجتمع، وفي كل تنظيم لأحوال الناس أفرادًا وجماعات، في جميع الأحوال والأطوار.

وقد تتسع المساحة التي تتجلى فيها مدلولات هذه المقومات والقيم، كلما اتسعت جوانب الحياة الواقعية، وكلما اتسع مجال العلم الإنساني، وكلما تعددت المفاهيم التي تتجلى فيها هذه المقومات والقيم، ولكن أصلها يظل ثابتًا، وتتحرك في إطاره تلك المدلولات والمفاهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت