الصفحة 45 من 114

حقيقة أن الإنسان مستخلف في هذه الأرض - مثلًا - تتجلى في صور شتى ... تتجلى في صورته وهو يزرع الأرض، لأن أوضاع حياته ومدى تجاربه تجعل الزراعة هي التي تفي في ذلك الطور باحتياجاته الضرورية، وبها تتحقق الخلافة ... وتتجلى كذلك في صورته وهو يفجر الذرة، ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوي للأرض، أو طبيعة الكواكب والتوابع من حوله ... هذه وتلك - وما بينهما وما بعدهما - صور من صور الخلافة في الأرض، قابلة دائمًا للزيادة والاتساع، ولكن حقيقة الخلافة في الأرض ثابتة على كل حال، يقتضي مفهومها الثابت ألا يحال بين الإنسان ومزاولة حقه في الخلافة وفق منهج الله المرسوم، وألا يعلوا شيء في هذه الأرض على"الإنسان"، وألا تهدر قيمته"الإنسانية"لينشئ قمرًا صناعيًا، أو ليضاعف الإنتاج المادي! فهو سيد الأقمار الصناعية، وسيد الإنتاج المادي!

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة - مثلًا - تتمثل في كل نشاط يتجه به الإنسان إلى الله، وألوان النشاط غير محدودة، فهي تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة ... وتتمثل في عبوديته لله وحده، بالتحاكم إلى منهجه وحده، في كل شؤون الحياة، وهذه الشؤون غير محدودة، فهي كذلك تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة ... ولكن حقيقة الغاية ثابتة لا تتغير، فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط، وإذا لم يتحاكم إلى منهج الله في كل شأن، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة، وخرج على غاية وجوده الإنساني، واعتبر عمله باطلًا غير قابل للتصحيح المستأنف، ولا بالقبول من المؤمنين.

وهكذا - على هذا النحو - تتسع مساحة مدلولات هذه المقومات، وتتنوع الصور التي تتجلى فيها ... ولكنها هي ثابتة في التصور الإسلامي، لا يتناولها التغير ولا التطور على كل حال.

وقيمة وجود تصور ثابت للمقومات والقيم على هذا النحو، هي ضبط الحركة البشرية، والتطورات الحيوية، فلا تمضي شاردة على غير هدى - كما وقع في الحياة الأوربية عندما أفلتت من عروة العقيدة - فانتهت إلى تلك النهاية البائسة، ذات البريق الخادع واللألاء الكاذب، الذي يخفي في طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس.

وقيمته هي وجود الميزان الثابت الذي يرجع إليه"الإنسان"بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجدّ في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات، فيزنها بهذا الميزان الثابت، ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب ... ومن ثم يظل دائمًا في الدائرة المأمونة، لا يشرد إلى التيه، الذي لا دليل فيه من نجم ثابت، ولا من معالم هادية في الطريق!

وقيمته هي وجود"مقوّم"للفكر الإنساني مقوّم منضبط بذاته، يمكن أن ينضبط به الفكر الإنساني، فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات، وإذا لم يكن هذا المقوم الضابط ثابتًا، فكيف ينضبط به شيء إطلاقًا! إذا دار مع الفكر البشري - كيفما دار - ودار مع الواقع البشري - كيفما دار - فكيف تصبح عملية الضبط ممكنة، وهي لا ترجع إلى ضابط ثابت، يمسك بهذا الفكر الدوّار؟ أو بهذا الواقع الدوّار؟!

إنها ضرورة من ضرورات صيانة النفس البشرية، والحياة البشرية، أن تتحرك داخل إطار ثابت، وان تدور على محور لا يدور! إنها على هذا النحو تمضي على السنة الكونية الظاهرة في الكون كله، والتي لا تختلف في جرم من الأجرام!

إنها ضرورة لا تظهر كما تظهر اليوم، وقد تركت البشرية هذا الأصل الثابت، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور، وأصبحت أشبه بجرم فلكي خرج من مداره، وفارق محوره الذي يدور عليه في هذا المدار، ويوشك أن يصدكم فيدمر نفسه ويصيب الكون كله بالدمار، {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ... } [المؤمنون: 71] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت