والخاصية الرابعة في هذا التصور هي؛ التوازن ... التوازن في مقوماته، والتوازن في إيحاءاته، وهي تتصل بخاصية"الشمول"التي سبق الحديث عنها، فهو تصور شامل، وهو شمول متوازن.
وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك، والغلو هنا وهناك، والتصادم هنا وهناك، هذه الآفات التي لم يسلم منها أي تصور آخر، سوءا التصورات الفلسفية، أو التصورات الدينية التي شوهتها التصورات البشرية، بما أضافته إليها، أو نقصته منها، أو أوّلته تأويلًا خاطئًا، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة.
وتتمثل هذه الخاصية في عدة موازنات، نذكر منها أبرزها:
هناك التوازن بين الجانب الذي تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به، وينتهي عملها فيه عند التسليم، والجانب الذي تتلقاه لتدركه، وتبحث حججه وبراهينه، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر في مقتضياته العملية، وتطبقها في حياتها الواقعية.
والفطرة البشرية تستريح لهذا ولهذا، لأن كليهما يلبي فيها جانبًا أصيلًا، مودعًا فيها وهي تخرج من يد بارئها، وقد علم الله أن الإدراك البشري لن يتسع لكل أسرار هذا الوجود، ولن يقوى على إدراكها كلها، فأودع فطرته الارتياح للمجهول، والارتياح للمعلوم، والتوازن بين هذا وذاك في كيانها، كالتوازن بين هذا وذاك في صميم الوجود.
إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها، وأشواقها الخفية إلى المجهول، المستتر وراء الحجب المسدلة ... كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعمّيات التي لا تدركها العقول ليست عقيدة! فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعي، والفكر الإنساني لا بد أن يتلقى شيئًا مفهومًا له، له فيه عمل، يملك أن يتدبره ويطبقه ... والعقيدة الشاملة هي التي تلبي هذا الجانب وذاك، وتتوازن بها الفطرة، وهي تجد في العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق.
فإذا كانت ماهية الذات الإلهية، وكيفية تعلق إرادة الله بالخلق وحقيقة الروح ... من الحقائق التي لا سبيل إلى الإحاطة بها - كما أسلفنا [42] - فهناك خصائص الذات الإلهية؛ من وجود، ووحدانية، وقدرة، وإرادة، وخلق، وتدبير ... وكلها مما يعمل الفكر البشري في إدراكه، ومما يستطيع أن يدرك ضرورته ومقتضياته في الوجود، والإسلام يعرض هذه الخصائص ببراهينها المقنعة ... وهناك"الكون"وحقيقته، ومصدر وجوده، وعلاقته بخالقه، وعبوديته له، واستعداده لاستقبال الحياة، وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به ... وهناك"الحياة"بشتى أنواعها وأجناسها وأشكالها ودرجاتها، ومصدرها، وعلاقتها بطبيعة الكون، وعلاقتها بمبدعه ومبدعها ... وهناك"الإنسان"وحقيقته، وخصائصه ومصدره، وغاية وجوده، ومنهج حياته ... وكلها ترد في منطق مفهوم واضح، مريح للعقل والقلب، مدعم بالبراهين التي تتلقاها الفطرة بالقبول والتسليم ...
{أم خُلِقُوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خَلقُوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون} [الطور: 35 - 36]
{أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟ لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل: هاتوا برهانكم، هذا ذكر من معي وذكر من قبلي، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} [الأنبياء: 21 - 24]
{أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون} [يس: 81، 82] .