وعبادة الله في أوسع معانيها - كما شرحنا آنفًا - تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية ... هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال - في إطار حياته الدنيوية الفردية - ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام - وحده - يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا ... إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات"الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من"تناسخ الأرواح"على مراتب متدرجة - كما هو الحال في الهندوكية - ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم ... كلا، إن الإسلام يؤكد في إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو) [41] .
وبعد فإن هذا الشمول - بكل صوره - فوق أنه مريح للفطرة البشرية، لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة، ولا يكلفها عنتًا، ولا يفرقها مزقًا ... هو في الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله في أي شأن وفي أية لحظة، أو قبول أية سيطرة تستعلي عليها بغير سلطان الله، وفي حدود منهج الله وشريعته، في أي جانب من جوانب الحياة، فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده في أمر"العبادات"الفردية، ولا في أمر الآخرة - وحدهما - بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده، في الدنيا والآخرة، في السماوات والأرض، في عالم الغيب وعالم الشهادة، في العمل والصلاة ... وفي كل نَفَس، وكل حركة، وكل خالجة، وكل خطوة، وكل اتجاه؛ {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ... } [الزخرف: 84] .
[39] راجع فصل"المصادفة"في كتاب"العلم يدعو إلى الإيمان"تأليف: ا، كريسي موريسون وترجمة محمود صالح الفلكي ص191 - 194 من الترجمة العربية طبعة مكتبة النهضة، الطبعة الأولى.
[40] هو يقصد الأديان في صورتها التي صارت إليها وإلا فإن دين الله كله واحد في أساسه، وفي اعتبار العبادة لله بمعنى العبودية له في كل شيء، وإفراده بالألوهية، والتوجه إليه بكل نشاط.
[41] الإسلام على مفترق الطرق ص21 - 23 من الترجمة العربية بقلم الدكتور عمر فروخ.