للتصور الإسلامي خصائصه المميزة، التي تفرده من سائر التصورات، وتجعل له شخصيته المستقلة، وطبيعته الخاصة، التي لا تتلبس بتصور آخر، ولا تستمد من تصور آخر.
هذه الخصائص تتعدد وتتوزع، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة، هي التي تنبثق منها وترجع إليها سائر الخصائص ... خاصية الربانية ...
إنه تصور رباني، جاء من عند الله بكل خصائصه، وبكل مقوماته، وتلقّاه"الإنسان"كاملًا بخصائصه هذه ومقوماته، لا ليزيد عليه من عنده شيئًا، ولا لينقص كذلك منه شيئًا، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته ...
وهو - من ثم - تصور غير متطور في ذاته، إنما تتطور البشرية في إطاره، وترتقي في إدراكه وفي الاستجابة له، وتظل تتطور وتترقى، وتنمو وتتقدم، وهذا الإطار يسعها دائمًا، وهذا التصور يقودها دائمًا، لأن المصدر الذي أنشأ هذا التصور، هو نفسه المصدر الذي خلق الإنسان، هو الخالق المدبر، الذي يعلم طبيعة هذا الإنسان، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان، وهو الذي جعل في هذا التصور من الخصائص ما يلبي هذه الحاجات المتطورة في داخل هذا الإطار.
وإذا كانت التصورات والمذاهب والأنظمة التي يضعها البشر لأنفسهم - في معزل عن هدي الله - تحتاج دائمًا إلى التطور في أصولها، والتحور في قواعدها، والانقلاب أحيانًا عليها كلها حين تضيق عن البشرية في حجمها المتطور! وفي حاجاتها المتطورة ... إذا كانت تلك التصورات والمذاهب والأنظمة التي هي من صنع البشر، تتعرض لهذا وتحتاج إليه، فذلك لأنها من صنع البشر! الشر القصار النظر! الذين لا يرون إلا ما هو مكشوف لهم من الأحوال والأوضاع والحاجات في فترة محدودة من الزمان، وفي قطاع خاص من الأرض ... رؤية فيها - مع هذا - قصور الإنسان وجهل الإنسان، وشهوات الإنسان، وتأثرات الإنسان، فأما التصور الإسلامي - بربانيته - فهو يخالف في أصل تكوينه وفي خصائصه، تلك التصورات البشرية، ومن ثم لا يحتاج - في ذاته - إلى التطور والتغير ... فالذي وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان، ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور، ويختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات، ومن ثم يضع للكينونة البشرية كلها، في جميع أزمانها وأطوارها ... أصلًا ثابتًا، لتدور الحياة البشرية حوله، وتتحرك في إطاره، وهو مصنوع بحيث يسعها دائمًا ويشدها دائمًا، وهي تنمو وترتقي، وهي تتطور وتتحرك إلى الأمام.
وهو - من ثم - كامل متكامل، لا يقبل تنمية ولا تكميلا، كما لا يقبل"قطع غيار"من خارجه، فهو من صنعة الله، فلا يتناسق معه ما هو من صنعة غيره، والإنسان لا يملك أن يضيف إليه شيئًا، ولا يملك أن يعدل به دائمًا إلى الأمام ... جاء ليضيف إلى قلبه وعقله، وإلى حياته وواقعه، جاء ليوقظ كل طاقات الإنسان واستعداداته، ويطلقها تعمل في إيجابية كاملة، وفي ضبط كذلك وهداية، وتؤتى أقصى ثمراتها الطيبة، مصونة من التبدد في غير ميدانها، ومن التعطل عن إبراز مكنونها، ومن الانحراف عن طبيعتها ووجهتها، ومن الفساد بأي من عوامل الفساد ... وهو لا يحتاج - في هذا كله - إلى استعارة من خارجه، ولا إلى دم غير دمه! ولا إلى منهج غير منهجه، بل إنه ليحتم أن يتفرد هو في حياة البشر، بمفهوماته وإيحاءاته ومنهجه ووسائله وأدواته، كي تتناسق حياة البشر مع حياة الكون - الذي تعيش في إطاره - ولا تصطدم حركته بحركة الكون فيصيبها العطب والدمار!