الصفحة 25 من 114

الربانية {قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم}

الربانية أولى خصائص التصور الإسلامي، ومصدر هذه الخصائص كذلك ... فهو تصور اعتقادي موحى به من الله سبحانه ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره ... وذلك تمييزًا من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية، أو الحقيقة الكونية، أو الحقيقة الإنسانية، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق، وتمييزًا له كذلك من المعتقدات الوثنية، التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية.

ويستطيع الإنسان أن يقول - وهو مطمئن: إن التصور الإسلامي هو التصور الاعتقادي الوحيد الباقي بأصله"الرباني"وحقيقته"الربانية"، فالتصورات الاعتقادية السماوية، التي جاءت بها الديانات قبله، قد دخلها التحريف - في صورة من الصور - كما رأينا، وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات، ومعلومات بشرية، أدمجت في صلبها، فبدلت طبيعتها"الربانية"، وبقي الإسلام - وحده - محفوظ الأصول، لم يشب نبعه الأصيل كدر، ولم يلبس فيه الحق بالباطل، وصدق وعد الله في شأنه: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] .

وهذه هي الحقيقة المسلمة، التي تجعل لهذا التصور قيمته الفريدة.

ومفرق الطريق بين التصور الفلسفي والتصور الاعتقادي - بصفة عامة - أن التصور الفلسفي ينشأ في الفكر البشري - من صنع هذا الفكر - لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به، ولكنه يبقى في حدود المعرفة الفكرية الباردة، فأما التصور الاعتقادي - في عمومه - فهو تصور ينبثق في الضمير، ويتفاعل مع المشاعر، ويتلبس بالحياة، فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود، أو بين الإنسان وخالق الوجود.

ثم يتميز التصور الإسلامي بعد ذلك عن التصور الاعتقادي - في عمومه - بأنه - كما أسلفنا - تصور رباني، صادر من الله للإنسان، وليس من صنع الإنسان، تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها، وليست الكينونة الإنسانية هي التي تنشئه، كما تنشئ التصور الوثني، أو التصور الفلسفي - على اختلاف ما بينهما - وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به، وتطبيق مقتضياته في الحياة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت