الصفحة 26 من 114

وينص المصدر الإلهي الذي جاءنا بهذا التصور - وهو القرآن الكريم - على أنه كله من عند الله، هبة للإنسان من لدنه، ورحمة له من عنده، وأن الفكر البشري - ممثلًا ابتداءً في فكر الرسول صلى الله عليه وسلم أو فكر الرسل كلهم - باعتبار أنهم جميعًا أرسلوا بهذا التصور في أصله - لم يشارك في إنشائه، وإنما تلقاه تلقيًا، ليهتدي به ويهدي، وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور، وأن وظيفة الرسول - أي رسول - في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين، وعدم خلط الوحي الذي يوحي إليه من عند الله بأي تفكير بشري - أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى! أما هداية القلوب به، وشرح الصدور له، فأمر خارج عن اختصاص الرسول، ومرده إلى الله وحده في النهاية: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 52 - 53] ، {والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 1 - 4] ، {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 - 47] ، {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] ، {إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] ، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصّعّد في السماء} [الأنعام: 125] .

وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور، هو الذي يعطيه قيمته الأساسية، وقيمته الكبرى ... فهو وحده مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، المبرأ من الجهل، المبرأ من الهوى ... هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات، أو التي تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة! وهو كذلك مناط الضمان في انه التصور الموافق للفطرة الإنسانية، الملبي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها، ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه، ويقوم عليه، أقوم منهج للحياة وأشمله.

ولكن إذا كان الفكر البشري لم ينشئ هذا التصور، فإنه ليس منفيًا من مجاله، ولا محظورًا عليه العمل فيه، بيد أن عمله هو التلقي والإدراك والتكيف والتطبيق في واقع الحياة ... غير أن القاعدة المنهجية الصحيحة للتلقي - كما أشرنا في"كلمة عن المنهج"- هي هذه ... إنه ليس للفكر البشري أن يتلقى هذا التصور بمقررات سابقة، يستمدها من أي مصدر آخر، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه، ثم يحاكم إليها هذا التصور، ويزنه بموازينها ... إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته، ويتكيف به، ويستقيم على منهجه، كما يتلقى الحقائق الموضوعية في هذا التصور من المصدر الإلهي الذي جاء بها، لا من أي مصدر آخر خارجه، ثم هو الميزان الذي يرجع بكافة ما يعين له، من مشاعر وأفكار، وقيم وتصورات، في مجرى حياته الواقعية كذلك، ليزنها عنده، ويعرف حقها من باطلها، وصحيحها من زائفها: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت