الصفحة 27 من 114

وفي الوقت ذاته يعتبر الفكر البشري - في ميزان هذا التصور - أداة قيمة وعظيمة، يوكل إليها إدراك خصائص هذا التصور ومقوّماته - مستقاة من مصدرها الإلهي - وتحكيمها في كل ما حوله من القيم والأوضاع، دون زيادة عليها من خارجها، ودون نقص كذلك منها ... ويبذل منهج التربية الإسلامي لهذه الأداة العظيمة من الرعاية والعناية، لتقويمها وتسديدها وابتعاثها للعمل، في كل ميدان هي مهيأة له ... الشيء الكثير [14] .

على أن"الفكر"ليس وحده الذي يتلقى هذا التصور، إنما هو يشارك في تلقيه، فميزة هذا التصور - المنبثقة من خاصية الربانية - أنه يلبي الكينونة الإنسانية بجملتها ... ويدخل كذلك في دائرة إدراكها ... والذي لا تدركه منه إدراك ماهية وحقيقة، أو إدراك عليه أو كيفية ... لا يتعذر عليه التسليم به في طمأنينة، لنه داخل في مفهوم منطقها المعقول، منطقها الذي يسلم بالحقيقة البسيطة: حقيقة أن المجال الذي يتناوله هذا التصور - بما فيه من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها، ومن تعلق إرادة الله بالخلق وكيفيته - أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها، فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة، والكينونة الإنسانية - ككل ما هو مخلوق حادث - متحيزة في حدود من الزمان والمكان، لا تملك مجاوزتها على الإطلاق، ولا تملك من باب أولى الإحاطة بالكلي المطلق بأي حال: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] ، {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] .

ومن ثم فلا قدرة للكينونة البشرية بجملتها - لا الفكر وحده - على العمل خارج هذه الحدود، إنما وظيفتها أن تتلقى من الذات الإلهية المطلقة المحيطة بالوجود، وأن تتلقى في حدود طبيعة الإنسان، وفي حدود وظيفته.

ونزيد هذه الجملة الأخيرة إيضاحًا ... فالإنسان محكوم أولًا، بطبيعته: طبيعة أنه مخلوق حادث، ليس كليًا ولا مطلقًا، ليس أزليًا ولا أبديًا، ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودًا بما تحده به طبيعته ... ثم هو محدود بوظيفته، وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها - كما سيجئ - ومن ثم فقد وهُب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة، بلا نقص ولا زيادة ... وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها في وظيفته هذه، ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها - إدراك ماهية أو إدراك كيفية - وإن كان موهوبًا أن يدرك إمكانها، وأن يحيل هذا على معرفته بطلاقة المشيئة الإلهية من ناحية، ومن ناحية أخرى على معرفته بأنه هو مخلوق حادث، غير كلي ولا مطلق، فلا يمكن - من ثم - أن يحيط بخصائص الأزلي الأبدي، الذي هو بكل شيء محيط.

والقرآن الكريم يشير إلى بعض هذه الجوانب، التي لم يزوَّد هذه الجوانب، التي لم يزوَّد الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها ... بماهيتها أو بكيفيتها ... إما لأنها لا تدخل في حدود طبيعة البشرية المحدودة، وإما لأنها لا تلزم له في النهوض بوظيفته المحددة كذلك ... كما يشير إلى طريقة الفطرة السليمة المؤمنة في تلقي هذه الجوانب، وطريقة الفطرة المنحرفة الزائغة:

من هذه الجوانب مسألة كنه الذات الإلهية، فالكينونة الإنسانية لا تدركها وليس مما تعرفه شيء يماثلها فيمكن أن تقابلها به، وتقيسها عليه: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت