الصفحة 28 من 114

ومنها مسألة المشيئة الإلهية وكيفية تعلقها بالخلق: {قال: رب أنى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ قال: كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] ، {قالت: رب أنى يكون لي ولد، ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران: 47] .

هكذا دون بيان للكيفية، لأنها فوق إدراك الكينونة البشرية، وكل من أراد من البشر بيانا لكيفية تخبط وخلّط، لأنه قاسها على كيفيات عمل الإنسان، وشتان شتان [15] !

ومنها مسألة الروح - سواء كان المقصود بها: {الحياة"أو"جبريل"أو"الوحي": ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} [الإسراء: 85] ."

ومنها مسألة الغيب المحجوب عن العلم البشري، إلا بالقدر الذي يأذن به الله لمن يشاء: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59] ، {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 36، 27] ، {قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} [الأنعام: 50] ، {وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي ارض تموت} [لقمان: 34] .

ومن هذا الغيب خاصة مسألة موعد الساعة: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] ، {يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها! إلى ربك منتهاها، إنما أنت منذر من يخشاها، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [النازعات: 24 - 46] ، {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} [الأنبياء: 40] .

ويبين الله سبحانه كيف ينبغي تلقي هذه وأمثالها، مما هو فوق مدركات الكينونة البشرية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا - وما يذّكر إلا أولوا الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 7 - 8] .

وفيما عدا هذه الجوانب فإن الفكر البشري - أو الإدراك البشري بتعبير أشمل - مدعو للتدبر والتفكر، والنظر والاعتبار، والتكيف والتأثر، والتطبيق، في عالم الضمير وعالم الواقع، لمقتضيات هذا التصور، والإيجابية في العمل والتنفيذ وفق هذا التصور الشامل الكبير.

وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه، وتقويم منهجه في النظر، واستجاشته للعمل، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة.! وصيانته في الوقت ذاته من التبديد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل ... ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام ...

ومن من دين وجه النظر إلى سنن الله في الأنفس والآفاق، وإلى طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان، وإلى طاقاته المذخورة وخصائصه الإيجابية، وإلى سنن الله في الحياة البشرية معروضة في سجل التاريخ ... ما من دين وسّع على الإدراك في هذا كله ما وسّع الإسلام.

في تربية وتقويمه وتقويم منهج النظر والحكم: {ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولًا} [الإسراء: 36] ، {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات:12] ، {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئًا} [يونس: 36] ، {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف:20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت