الواقعية {قل: سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا؟}
والخاصية السادسة من خواص التصور الإسلامي هي ... الواقعية [57] ... فهو تصور يتعامل مع الحقائق الموضوعية، ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي، لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع"مثاليات"لا مقابل لها في عالم الواقع، أو لا وجود لها في عالم الواقع.
ثم إن"التصميم"الذي يضعه للحياة البشرية يحمل طابع الواقعية كذلك، لأنه قابل للتحقيق الواقعي في الحياة الإنسانية ...
ولكنها في الوقت ذاته واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، لأنها تهدف إلى أرفع مستوى وأكمل نموذج، تملك البشرية أن تصعد إليه ...
وسنحاول هنا شرح هذين المدلولين من مدلولات الواقعية، في التصور الإسلامي؛
إنه يتعامل مع الحقائق الموضوعية، ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي ...
يتعامل مع الحقيقة الإلهية، متمثلة في آثارها الإيجابية، وفاعليتها الواقعية ... ويتعامل مع الحقيقة الكونية، متمثلة في مشاهدها المحسوسة، المؤثرة، أو المتأثرة ...
ويتعامل مع الحقيقة الإنسانية، متمثلة في الأناسّي كما هم في عالم الواقع ... الإله الذي يتعامل معه هذا التصور هو"الله"المتفرد بالألوهية، وبكل خصائص الألوهية، ولكن هذه الخصائص كلها من عالم الواقع، ذات أثر في عالم الواقع، يمكن إدراك آثارها الواقعية، ولا يضرب العقل البشري في التيه ليتمثلها على هواه، في سلسلة من القضايا المنطقية المجردة - على طريقة"الميتا فيزيقا"بصفة عامة - ولكنها تتمثل في آثاره سبحانه في هذا الكون ... فالألوهية وخصائصها واقعية الأثر في هذا الكون، والإدراك البشري يحال إلى هذه الآثار الواقعية، ليرى فيها خصائص الألوهية، ممثلة في الصنعة الإلهية ...
{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تُظهرون، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون، ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين، ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون، ومن آياته يريكم البرق خوفًا وطمعًا، وينزل من السماء ماء، فيحيي به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، ومن آياته أن تقوم السماوات والأرض كل له قانتون، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده - وهو أهون عليه - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم} [الروم: 17 - 27] .