والخاصية الثالثة من خصائص التصور الإسلامي هي؛ الشمول ... وهي كذلك ناشئة من طبيعة الخاصية الأولى؛ خاصية أنه رباني، من صنع الله لا من صنع الإنسان ... والشمول طابع الصنعة الإلهية الأصيل!
فالإنسان لأنه أولًا محدود الكينونة من ناحية الزمان والمكان ... إذ هو حادث زمن، يبدأ بعد عدم، وينتهي بعد حدوث، ومتحيز في مكان، سواء كان فردًا أو كان جيلًا أو كان جنسًا، لا يوجد إلا في مكان، ولا ينطلق وراء المكان - كما أنه لا يوجد إلا في زمان ولا ينطلق وراء الزمان - ولأنه محدود الكينونة من ناحية العلم والتجربة والإدراك ... يبدأ علمه بعد حدوثه، ويصل من العلم إلى ما يتناسب مع حدود كينونته في الزمان والمكان، وحدود وظيفته كذلك - كما أسلفنا - ولأنه فوق أنه محدود الكينونة - بهذه الاعتبارات كلها - محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته - فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله ...
الإنسان وهذه ظروفه، حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي من ذات نفسه، أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك، يجئ تفكيره محكومًا بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها ... يجئ تفكيره جزئيًا ... يصلح لزمان ولا يصلح لآخر، ويصلح لمكان ولا يصلح لآخر، ويصلح لحال ولا يصلح لآخر، ويصلح لمستوى ولا يصلح لآخر ... فوق أنه لا يتناول الأمر الواحد من جميع زواياه وأطرافه، وجميع ملابساته وأطواره، وجميع مقوماته وأسبابه ... لأنه هذه كلها ممتدة في الزمان والمكان، وممتدة في الأسباب والعلل، وراء كينونة الإنسان ذاته، ومجال إدراكه ... وذلك كله فوق ما يعتور هذا التفكير من عوامل الضعف والهوى وهما سمتان إنسانيتان أصيلتان!
وكذلك لا يمكن أن تجئ فكرة بشرية، ولا أن تجئ منهج من صنع البشرية يتمثل فيه"الشمول"أبدًا ... إنما هو تفكير جزئي، وتفكير وقتي، ومن جزئيته يقع النقص، ومن وقتيته يقع الاضطراب الذي يختم التغيير، ويتمثل في الأفكار التي استقل البشر بصنعها، وفي المناهج التي استقل البشر بوضعها دوام"التناقض"أو دوام"الجدل"المتمثل في التاريخ الأوربي!
فأما حين يتولى الله سبحانه ذلك كله ... فإن التصور الاعتقادي، وكذلك المنهج الحيوي المنبثق فيه، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت ... وهكذا كان"الشمول"خاصية من خواص"التصور الإسلامي".
وتتمثل خاصية الشمول التي يتسم بها هذا التصور في صور شتى:
إحدى هذه الصور وأكبرها؛ رد هذا الوجود كله ... بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور، والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه ... إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة ... هذه الذات، المريدة، القادرة، المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون، ولكل شيء فيه ولكل حي، ولكل حركة، وكل انبثاقة، وكل تحور، وكل تغير، وكل تطور، بقدر خاص ... وكل انبثاق وليد ...
وهذه هي حقيقة"التوحيد"الكبيرة، التي هي المقوّم الأول للتصور الإسلامي ... وتقرير هذه الحقيقة يشغل مساحة واسعة من القرآن الكريم، لا نملك أن نستعرضها هنا، فسيجئ بعضها عند ذكر خاصية"الإيجابية"في هذا القسم، كما سيجئ بعضها الآخر عند ذكر خاصية التوحيد في نهاية هذا القسم من البحث، ثم يجئ التفصيل الكامل بوصفها المقوّم الأول من مقوّمات التصور الإسلامي، في القسم الثاني من هذا البحث الخاص بالمقومات، فنكتفي هنا بتقدير قيمة هذه الخاصية: