إن هذا التصور - عن طريق خاصية الشمول في صورتها هذه - يملك أن يعطينا تفسيرًا مفهومًا، لوجود هذا الكون ابتداء، ثم لكل حركة فيه بعد ذلك وكل انبثاقة ... ويعطينا - على الأخص - تفسيرًا مفهومًا لانبثاق ظاهرة"الحياة"في المادة الصماء، وهي بدون شك شيء آخر غير المادة الصماء، شئ هائل، وشئ عجيب، وشئ مقصود، وبين خصائصه المادة الصماء من الأبعاد، ما يلي مباشرة ما بين العدم والوجود من الأبعاد.
إن هذا الكون يواجه الكينونة الإنسانية ابتداء بوجوده! ويتطلب منها إدراكًا وتفسيرًا لهذا الوجود، ثم يواجهها بتناسقه وتوازنه وموافقاته العجيبة - التي يستحيل أن تأتي بها المصادفة - فللمصادفة كذلك قانون يستحيل معه أن تتجمع هذه الموافقات كلها مصادفة [39] ، ويتطلب منها إدراكًا وتفسيرًا لهذا التناسق والتوازن والموافقات العجيبة!
والحياة - كذلك تواجه الكينونة الإنسانية بعلامات استفهام كثيرة، لا تقل - إن لم تزد عمقًا - عن علامات الاستفهام التي يثيرها الكون بوجوده وبتناسقه ...
هذه الحياة كيف انبثقت في المادة الميتة؟ وكيف سارت - وتسير - سيرتها هذه العجيبة المحوطة بآلاف الموافقات والموازنات والتقديرات المرسومة المحسوبة بهذا الحساب الدقيق؟
إن التصور الإسلامي هو - وحده - الذي يملك أن يقدم لنا التفسير المفهوم لكل هذه الموافقات في"تصميم الكون"، هو الذي يملك أن يقدم لنا تفسيرًا نواجه به كل علامة استفهام عن وجود هذا الكون ابتداء، وعن كل انبثاقة تقع فيه، كما أنه هو الذي يملك أن يفسر لنا سر انبثاق الحياة في المادة الميتة، وسر سيرتها هذه السيرة العجيبة، دون أن نضطر إلى الهروب من سؤال واحد، أو إلى المماحكة والمماحلة والإحلالة إلى جهات غير محددة المفهوم - كالإحالة إلى الطبيعة!
إن المسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يكاد يعبرها العقل البشري، فكيف وجد هذا العالم؟ كيف وجدت هذه"الطبيعة"إن كانوا يعنون بها الوجود المادي؟ كيف يعبر العقل البشري هذه المسافة الهائلة إلا بالإحالة على الإرادة المبدعة، التي تقول للشيء: كن فيكون؟ إنه إذا لم يعترف بهذه الإرادة المبدعة عجز تمامًا عن التعليل والتفسير، أو تخبط تخبط الفلاسفة في شتى العصور!
والمسافة بين المادة الجامدة والخلية الحية تلي المسافة التي بين الوجود والعدم، إنها كذلك مسافة هائلة لا يعبرها العقل البشري إلا بالإحالة على تلك الإرادة المبدعة، التي تنشئ ما تريد إنشاء، وتبدعه إبداعًا، إرادة الله"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".
والعقل البشري، والكينونة البشرية كلها تجد في هذا الجواب ما يريح، لأنه مفر من أن تجئ الحياة إلى المادة الميتة من مصدر آخر غير المادة الميتة الفاقدة للحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكن القول بأن الحياة خاصية من خواص المادة الكامنة فيها ... وإلا فكيف ظلت كامنة فيها ما لا يحصى من السنين، لتظهر في وقت معلوم، دون مدبر وراءها ودون قصد مرسوم؟!
وحسبنا هذه العجالة عن الكون والحياة في هذا الموضع، فسيجئ الكلام المفصل عنها في موضعه في القسم الثاني، ولنعد إلى خاصية الشمول التي نتحدث عنها، والتي تتجلى في رد كل شيء في هذا الكون إلى الله، وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته وسلطانه لكل شيء.