ونحن نقول، إن الخسارة لن ترجع علينا - نحن المسلمين وحدنا - ولكنها سترجع على البشرية كلها ... سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقي لها من هداية الله، وتكدير - أو تسميم - المورد الوحيد، الذي يمكن أن تستقي منه الهدى الرباني الخالص ... وسترجع البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة الثابتة المستقرة، في الأرض المرجرجة التي تمور بالأهواء، والتي ظهر فيها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولم تعد لها منجاة إلا في هذه المثابة الآمنة المستقرة، الموصولة بالله ...
والذين يحاولون زعزعة هذه المثابة ... سواء باسم التجديد والإصلاح والتطور، أو باسم التخلص من مخلفات القرون الوسطى! أو تحت أي شعار آخر، هم: أعداؤنا الحقيقيون، هم أعداء الجنس البشري، وهم الذين ينبغي أن نطاردهم، وأن نطلب إلى الجنس البشري مطاردتهم كذلك!
إنهم يتحدثون باسم"التقدمية"ضد"الرجعية"في حين أنهم لا يزالون يقتاتون على نتاج القرن التاسع عشر، أو القرن الثامن عشر - نتاج أوربا لا نتاجهم! - ولم يصلوا بعد إلى نتاج القرن العشرين"إنهم متخلفون في تفكيرهم نصف قرن على الأقل، لم يعلموا بعد أن التفكير المضاد للماركسية، وللحيوانية، قد أخذ يبدو كظاهرة عامة في الفكر الأوربي نفسه، بينما هم يتعبدون لمادية وجدلية الفكر الماركسي ومشتقاته! ولنشوء وارتقاء دارون ومشتقاته! إنهم"رجعيون"يزعمون أنهم"تقدميون"! بينما"التقدمية"الحقيقية اليوم تجد نفسها مضطرة أن تعود إلى الدين، تتطلب عنده الطمأنينة والراحة واليقين، بعد الحيرة والقلق والشرود خلال ثلاثة قرون!"
ونحن الذين وقانا الله شر تلك الملابسات التاريخية التي شردت الفكر الغربي في مجاهل التيه ... نكون أحمق الحمقى إذا نحن شردنا في التيه مختارين بدون عذر ولا سبب ولا ملابسة من ملابسات التاريخ!
ولا نكون مضيعين لأنفسنا في التيه فحسب، بل نكون مضيعين للبشرية كلها، حين نُفقدها المثابة الثابتة، التي يمكن أن تفئ إليها ذات يوم، فنجد عندها الأمن والطمأنينة والاستقرار، بعد طول الشرود والقلق والعثار.
فلنقدر تبعتنا الخطيرة تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها في هذا الأمر الخطير.
[29] بدأت الدراوينية الحديثة القديمة، فتقرر أن الإنسان مخلوق فريد من الناحية البيولوجية، ومن النواحي العقلية والنفسية كذلك، وأنه في هذا يتميز تميزًا تامًا عن جميع الحيوانات ... وبين هذا وبين القول بأن الإنسان خاصية ثابتة فيه منذ البدء ... خطوة ... وإن كان لا يزال يعز على الداورينيين أن يخطوها!
[30] يراجع بتوسع في عرض هذه القاعدة كتاب"معركة التقاليد"لمحمد قطب الطبعة الأخيرة (دار الشروق) ص 82 - 83.
[31] يراجع بتوسع كتاب:"الإسلام ومشكلات الحضارة".
[32] راجع جوليان هكسلي في كتابه؛"الإنسان والعلم الحديث"، وكريسي موريسون في كتابه"الإنسان لا يقوم وحده"ترجمة محمود صالح الفلكي بعنوان؛"العلم يدعو إلى الإيمان".
[33] يراجع بتوسع كتاب؛"الإنسان بين المادية والإسلام"وكتاب"معركة التقاليد"لمحمد قطب.
[34] ولكن الماركسية كما رأينا تقف بقانونها ذاته عند هواها! فلا تعمله إلا فيما قبل قيام"الشيوعية"ثم تبطله بعد أن تبلغ"غرضها"منه! وتسمى هذا تفكيرًا علميًا! ... وذلك فوق ما في مبدأ النقيض ذاته من تحكمية نظرية لا رصيد لها من الواقع كما أسلفنا!
[35] "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"للدكتور محمد البهي ص 311 - 315.
[36] يراجع كتاب"هل نحن مسلمون؟"لمحمد قطب.
[37] يراجع كتاب"الإسلام ومشكلات الحضارة".
[38] الإسلام على مفترق الطرق، تأليف محمد أسد، ترجمة: عمر فروخ ص 109 - ص112.