الصفحة 52 من 114

أهذه إذن حال الإسلام؟ ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية ... مما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة، وعهدًا من الازدهار، وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال، وأنواع التضحية، ولقد غيرت معالم الشعوب، وخلقت دولًا جديدة ... ثم سكنت وركدت، وأصبحت كلمة جوفاء ... وها نحن أولاء اليوم نشهد انحطاطها التام وانحلالها ... ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟

إذا كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية من المدنيات الأخر، وليس نتاجًا بسيطًا لآراء البشر وجهودهم، بل هو شرع سنة الله لتعمل به الشعوب في كل مكان وزمان، فإن الموقف يتبدل تمامًا.

وإذا كانت الثقافة الإسلامية - في اعتقادنا - نتيجة لاتباعنا شرعًا منزلًا ... فإننا حينئذ لا نستطيع أبدًا أن نقول: إنها كسائر الثقافات، خاضعة لمرور الزمن، ومقيدة بقوانين الحياة العضوية ... ثم إن ما يظهر انحلالًا في الإسلام ليس إلا موتًا وخلاء يحلان في قلوبنا، التي بلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلي ... ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية - مع نموها مع الحاضر - قد استطاعت أن تشب عن الإسلام ... إنها لم تستطع أن تبني فكرة الإخاء الإنساني على أساس عملي، كما استطاع الإسلام أن يفعل، حينما أتى بفكرة القومية العليا - الأمة - ... إنها لم تستطع أن تشيد صرحًا اجتماعيًا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلًا على مثال ما تم في النظام الاجتماعي الإسلامي ... إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان، ولا أن تزيد في شعوره بالأمن، ولا في رجائه الروحي وسعادته.

ففي جميع هذه الأمور نرى الجنس البشري في كل ما وصل إليه، مقصرًا كثيرًا عما تضمنه المنهج الإسلامي ... فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة، والاتجاه الديني زي غير شائع اليوم؟ ولكن إذا رأينًا نظامًا بني على الدين، قد استطاع أن يقدم منهاجًا عمليًا للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفساني في الإنسان، من كل شيء آخر يمكن العقل البشري أن يأتي به عن طريق الإصلاح والاقتراح ... أفلا يكون هذا نسه حجة بالغة في ميدان الاستشراف الديني؟

لقد تأيد الإسلام - ولدينا جميع الأدلة على ذلك - بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنساني، لأن الإسلام كشف عنها، وأشار إليها، على أنها مستحبة، قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل.

ولقد تأيد أيضًا - على السواء - بما وقع في أثناء التطور الإنساني من قصور وأخطاء وعثرات، لأنه كان قد رفع الصوت عاليًا واضحًا بالتحذير منها، من قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء ... وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني نجد - من وجهة نظر عقلية محض - كل تشويق إلى أن نتبع الهدي الإسلامي، بصورة عملية، وبثقة تامة ...

نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام - كما يظن بعض المسلمين - لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل، أما الذي نحتاج إليه فعلًا، فهو إصلاح موقفنا من الدين، بمعالجة كسلنا، وغرورنا، وقصر نظرنا، وبكلمة واحدة: معالجة مساوئنا ...

إن الإسلام - كمؤسسة روحية واجتماعية - غنى عن كل تحسين، وإن كل تغيير في مثل هذه الحال يطرأ على مدركاته، وعلى تنظيمه الاجتماعي، بافتئات من ثقافة أجنبية - ولو بإشراق ضئيل - سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد، وسترجع الخسارة حتمًا علينا نحن) [38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت