الصفحة 51 من 114

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يجري دائمًا وراء تصورات متقلبة أبدًا، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقًا، تنبع من الفكر البشري المحدود المعرفة، الظنى المعرفة كذلك، الذي يبني علمه - مهما علم - على الظن والحدس والخرص، والفروض المتقلبة أبدًا ... ثم يجعل من هذا العلم الظني إلهًا، او يجعل من الهوى المتقلب إلهًا، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين.

مما لا شك فيه أن مجتمعًا كهذا معرض دائمًا للهزات العنيفة، والأرجحة المستمرة، التي تنشئ في عقله الحيرة، وفي ضميره البلبلة، وفي أعصابه التعب، وفي حياته الشرود، وفي كيانه الفساد.

وهذا هو الذي حدث في المجتمعات الأوروبية المفلتة من كل أصل ثابت، وهذا هو الذي تشقى به البشرية كلها اليوم، وهي تخبط في التيه، وراء المجتمعات الأوروبية الشاردة [37] !

لابد من تصور ثابت المقومات والقيم، يجئ من مصدر ثابت العلم والإرادة! مصدر يرى المجال كله، والخط كله، فلا تخفى عليه منحنيات الدرب، ولا يقدر اليوم تقديرًا يظهر في غد خطؤه ونقصه، ولا تتلبس به شهوة أو هوى يؤثر في موازينه وتقديراته ... ولا ضير بعد هذا من الحركة، والتغير، والتطور، والنمو والترقي ... بل تصبح كلها مطلوبة، وتصبح كلها مأمونه، وتصبح كلها تلبية للفطرة: القائمة على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت، ولكنها حركة راشدة واعية، مدركة للغاية الثابتة التي تتجه إليها، في خطو متزن، مستقيم راسخ ... وهذا هو ضمان الحياة الطويلة المدى، المتناسقة التصميم.

ولا نحتاج إلى الحيطة ضد التجمد في قالب حديدي، ونحن نستمسك بهذه الخاصية في التصور الإسلامي - خاصية الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت - فخاطر التجمد لا يرد على مثل هذا التصور، ولا على الحياة التي تتحرك في إطاره، فالحركة كما قلنا هي القاعدة فيه، كما أنها هي القاعدة في التصميم الكوني، والكون لا يتجمد ولا يأسن ولا يفسد ولا يركد، فهو في حركة دائمة، وفي تغير دائم، وفي تطور دائم، وفي تشكل مستمر في كل لحظة، ولكنه يتحرك مع استبقاء حقيقته الأصيلة كما قلنا في مطلع هذه الفقرة.

وحين نطالع مذاهب الفكر الغربي، فنرى الطابع الغالب عليها هو اعتبار"التطور"المطلق - دون الرجوع إلى أي أصل ثابت - فيجب أن نكون واعين للعوامل التاريخية التي جعلت هذا الفكر يجنح - أو يجمح - هكذا، ويجب أن نفطن لما اندس في هذا الفكر من عداء عميق كامن للتفكير الديني على الإطلاق، والأسباب القابعة وراء هذا العداء، ويجب أن ندرك أن مناهج هذا الفكر - بما اندس في صلبها من هذا العداء - لا تصلح للتطبيق على مناهجنا الإسلامية، ولا تصلح للاستعانة بها في بحوثنا الإسلامية كذلك!

إننا نقتبس من هذا الفكر - تارة مناهجه، وتارة النتائج التي وصل إليها، وتارة رقعًا ممزقة منه - ثم نخلط هذا كله بحديثنا عن الإسلام، أو عن المجتمع، أو عن مناهج الفكر والنظر ... وهذه كلها جهالة تتباهي وهي تتبدى في ثياب المعرفة! وأحيانًا يضاف إلى الجهالة التفاهة وسوء النية كذلك!

يقول الأستاذ المهتدي محمد أسد - ليوبولدفايس - في كتابه القيم"الإسلام على مفترق الطرق": (يخبرنا التاريخ أن جميع الثقافات الإنسانية، وجميع المدنيات، أجسام عضوية تشبه الكائنات الحية ... إنها تمر في جميع أدوار الحياة العضوية، التي يجب أن تمر بها، إنها تولد، ثم تشب وتنضج، ثم يدركها البلى في آخر الأمر، فالثقافات كالنبات الذي يذوى ثم يستحيل ترابًا، تموت في أواخر أيامها، وتفسح المجال لثقافات أخر ولدت حديثًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت