وهو الذي يبث الطمأنينة في الضمير المسلم، وفي المجتمع المسلم ... الطمأنينة إلى ثبات الإطار الذي تتحرك فيه حياته، وثبات المحور الذي تدور حياته حوله، فيشعر أن حركته إلى الأمام، ثابتة الخطو، موصولة الخيط، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد، نامية مطردة النمو، صاعدة في المرتقى المرسوم، بالتقدير الإلهي القويم.
ثم هو - في النهاية - الذي يضمن للمسلم في المجتمع الإسلامي مبادئ ثابتة يتحاكم إليها هو وحكامه على السواء، فلا يطلق هؤلاء أيديهم في مقوماته وحرياته وحقوقه، في مقابل أن يطلقوا هم حرية الشهوات والنزوات الحيوانية للجماهير المكبوتة في قماقم الاستبداد!
وبعد فإن التصور الإسلامي - من ثم - يقوم على أساس أن هناك حالتين اثنتين للحياة البشرية، ولا علاقة للزمان أو للمكان في تقدير قيمة هاتين الحالتين، إنما القيمة لذات كل حالة، ولوزنها في ميزان الله الثابت، الذي لا يتأثر بالزمان والمكان ...
حالتان اثنتان تتعاوران الحياة البشرية على مدى الزمان واختلاف المكان: حالة الهدى وحالة الضلال - مهما تنوعت ألوان الضلال - حالة الحق وحالة الباطل - مهما تنوعت ألوان الباطل - حالة النور وحالة الظلام - مهما تنوعت ألوان الظلام - حالة الشريعة وحالة الهوى مهما تنوعت ألوان الهوى - حالة الإسلام وحالة الإسلام وحالة الجاهلية - مهما تنوعت ألوان الجاهلية - حالة الإيمان وحالة الكفر - مهما تنوعت ألوان الكفر - وإما يلتزم الناس الإسلام دينًا - أي منهجًا للحياة ونظامًا - وإلا فهو الكفر والجاهلية والهوى والظلام والباطل والضلال.
{إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ، {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ،"فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ [يونس: 32] ، {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] ، {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ، {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] ،" {من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ،"أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون؟ [المائدة: 50] ، {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] ."
فإذا ثبت هذا الإطار استطاعت الحياة - فكرة وتصورًا وواقعًا ونظامًا - أن تتحرك في داخله بحرية ومرونة، واستجابة لكل تطور فطري صحيح، مستمد من التصور الكلي الثابت القويم.
والقيمة الكبرى لهذه الخاصية، هي تثبيت الأصل الذي يقوم عليه شعور المسلم وتصوره، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي في استقرار وثبات، مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعي في الأفكار والمشاعر، وفي الأنظمة والأوضاع، فلا تتجمد في قالب حديدي ميت - كالذي أرادته الكنيسة في العصور الوسطى - ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه! وانفلات القطيع الشارد في المهلكة المقطوعة! كما صنعت أوربا في تاريخها الحديث، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الشائه!
ولعل هذه الخاصية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى ألف عام، على الرغم من جميع الهزات، ومن جميع الضربات، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به في كل مكان ... ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية في تصوره، وإلا منذ أن أفلح أعداؤه في تنحية التوجيه الإسلامي، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه في العالم الإسلامي [36] .