الصفحة 49 من 114

فمبدأ النقيض ابتداء - كما هو في فلسفة نيتشه وهيجل - مجرد"تحكم"تصوري فكري، لا رصيد له من الواقع - كما أسلفنا - وحين يطبقه كارل ماركس على تاريخ الجماعة البشرية، يعتمد أولًا أن يسقط جميع"مقومات"الجماعات البشرية، التي يمكن أن يجري فيها التحول - إذا صح مبدأ النقيض - ويعتمد فقط المقوّم الاقتصادي ويشرح التحول فيه - وهو على كل أهمية - لا يمثل كل مقومات الحياة الإنسانية ... ثم هو بعد ذلك كله يعتمد تاريخ جماعة معينة - هي الجماعة الأوربية - ثم هو يتحكم في تاريخ هذه الجماعة الخاصة، فيختار نقطًا معينة فيه، فضلًا على استحالة إدراك فرد واحد، في جيل من الأجيال، لجميع العوامل والمؤثرات التي لعبت أدوارها في حياة هذه الجماعة على مدار القرون! فيختار مظهرًا واحدًا من مظاهر نشاطها ويهمل سائر المظاهر! ثم يتحكم مرة رابعة أو خامسة أو عاشرة، فيعتبر أن كل وضع تال خير من الوضع السابق له على الإطلاق، ومع ذلك لا يريد أن يدع العجلة تمضي إلى وضع خير من الشيوعية ... بل يوقف سير التاريخ عند هذه النقطة! ويضحي بالخير الآتي!

ومع هذا التهافت في بناء المذهب على مجرد التحكم والهوى، فقد صحبته لوثة في وزن القيم لم تقتصر على معتنقيه، بل تجاوزتهم إلى المعارضين له كذلك: في أوربا وفي أمريكا! لوثة التخلي عن كل ما هو سابق، والتقاط كل ما هو لاحق، ولوثة التحلل من كل قيمة تصد الشهوات عن الانطلاق بلا حدود ولا قيود، ولوثة السخرية من ثبات القيم الأخلاقية وغير الأخلاقية، اللوثة التي كان للماركسية من ورائها هدف خاص، وغاية مرسومة سلفًا، ولم تكن هي بذاتها نتيجة منطقية لأية دراسة"علمية"!

فالتطور المطلق هو مجرد عملية تبرير لكل ما يراد عمله، وهو أولًا وقبل كل شيء عملية تبرير لما تريده"الدولة"بالأفراد، بحيث لا يكون هناك مبدأ ثابت، ولا قيمة ثابتة، يلوذ بها الأفراد في مواجهة الدولة، وبحيث لا يكون هناك"حق ثابت"يفئ إليه الجميع، ولا دستور ثابت يتحاكم إليه الجميع!

وفي نظير إطلاق يد الدولة تجاه الأفراد من كل قيد، تطلق الدولة"شهوات"الأفراد من كل قيد، ليجدوا في هذا الانطلاق"الحيواني"تعويضًا عن قيمهم المسلوبة، وحرياتهم المسلوبة، وحقوقهم المسلوبة!

انطلاق حيواني للشهوات، يقابله انطلاق استبدادي للسلطة ... واحدة بواحدة ... وبدلًا من أن تقوم هذه الصفقة على مجرد الاصطلاح العرفي الصامت بين الفريقين! فإنها تقوم على مبدأ"فلسفي"! وعلى مذهب"علمي"! تقوم على"مبدأ النقيض"وتقوم على"المادية الجدلية"!

وهذا هو المذهب الذي يزعم أن"الدين مخدر"وأن ثبات القيم في الدين مقصود به خدمة الطبقة الحاكمة!

إن"الثبات"في مقومات التصور الإسلامي وقيمه - فضلًا على أنه امتداد للنظام الكوني - هو الذي يضمن للحياة الإسلامية خاصية"الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت"فيضمن للفكر الإسلامي وللحياة الإسلامية مزية التناسق مع النظام الكوني العام، ويقيه شر الفساد الذي يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر، بلا ضابط من قاعدة ثابتة لا تتأرجح مع الأهواء.

وهو الذي يقي الفكر الإسلامي ويقي المجتمع الإسلامي مثل تلك اللوثة في الفكر الماركسي وفي الجماعة الشيوعية، وهي اللوثة ذاتها التي أصابت الفكر الغربي والمجتمعات الغربية بصفة عامة - حتى وهي تعارض الماركسية من الناحية المذهبية والسياسية - وذلك منذ أفلتت من نطاق العقيدة، في ظل تلك الملابسات النكدة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت