ومع أن مبدأ النقيض لا يقف بتحول الشيء إلى مقابله فقط، بل سيتحول الشيء ومقابله إلى جامع لهما، ثم هذا الجامع يصير إلى"شيء"يتحول أيضًا إلى مقابلة، ثم إلى جامع ... وهكذا، مع أن منطق هذا المبدأ هو الاستمرار في التحول ... فالماركسية تقف بترقب تحول الجماعة، ولا تتحدث - فضلًا عن أن تترقب - عن انهيار الجماعة الشيوعية وسقوطها، وهدم نفسها في جماعة مقابلة، بناء على أن كل شيء يتضمن نقيض نفسه، وفيه عامل الهدم لنفسه!
وكنتيجة لهذا - أي للتحول الدائم الذي يقف به ماركس عند الشيوعية تحكمًا وهوىً - أن الذي يعتقد بالقيم الأزلية هو مصدق بأشياء لا توجد، حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن بعض القيم للوقت الحاضر، أو للحال الراهن، يجب أن يحتفظ بها، هم مصدقون بما لا يقع، فإذا اعتقد شخص أن كل شيء يتغير، فمن السذاجة أن يكون محافظًا"!"
"وعلى نحو صنيع هيجل في صياغة مبدأ النقيض، توضح الماركسية أن كل شيء يتضمن قوتين رئيسيتين متقابلتين؛ واحدة تسمى"الدعوى"والأخرى تسمى"مقابل الدعوى"، وهاتان القوتان تهدم إحداهما الأخرى، ولكن ينشأ من الهدم حالة جديدة تسمى"جامع الدعوى ومقابلها"ثم يسقط هذا الجامع ويتحول إلى مقابله، وعندئذ نحصل على دعوى ومقابل الدعوى من جديد، ثم ينشا من تقابلهما وتناقضهما جامع جديد، في تسلسل لا نهاية له [34] ."
وصياغة مبدأ النقيض في هذه العبارات تناسب تطبيقه في دائرة"الجماعة"التي اختارتها الماركسية مجالًا للتطبيق، كما تناسب"الصراع"بين الطبقات في الجماعة، التي حرصت هي أيضًا على أن يكون مصطلحًا لها، بدلًا عن"التقابل"بين الشيء ومقابله، الذي اصطلح عليه نيتشه وهيجل من قبل في شرح النقيض.
واستخدام مبدأ النقيض في دائرة"الجماعة"- كما اختارت الماركسية - يعطيها دليلًا على أن الشيوعية - كجماعة - هي أسمى في القيمة من كل جماعة وجدت سابقًا! فالجماعة ذات النظام الملكي سقطت، وتحولت إلى الجانب المقابل - وهو حكام الملك من جانب والعبيد والفقراء من جانب آخر - ومن الكفاح بين الفريقين المتقابلين تكوَّن الجامع بين الشيء ومقابله - وهو الجماعة الإقطاعية - وبعد ذلك سقط الإقطاع في القوة المقابلة - وهي قوة الملاك من جانب والفلاحين من جانب آخر - ومن الكفاح بين الملاك والفلاحين نشأت الرأسمالية ... وتريد الماركسية أن تقول الآن؛ إن الرأسمالية - في الصناعة - ستسقط في القوة المقابلة - وهي قوة العمال من جانب وأصحاب العمل من جانب آخر - والجماعة الجديدة هي الجماعة الاشتراكية الماركسية ذات الطبقة الواحدة!
ولكن أيقف"مبدأ النقيض"عند هذه الجماعة الجديدة؟ أم ستسقط هي بدورها في مقابل لها - كما هي ضرورة منطق هذا المبدأ - كضرورة حتمية في الوجود؟!
وانتقال الجماعة من حال إلى حال يصحبه في نظر الماركسية التطور في"القيمة"فالإقطاع أسمى من دولة الملك، والرأسمالية أسمى من الإقطاع، والشيوعية أسمى من الجماعات الرأسمالية!
وادعاء أن كل جماعة أسمى من سابقتها مصدر براق للدعاية الشيوعية، وكثير من الناس يصيرون أتباعًا للشيوعية، لأنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل عالم أحسن من أي عالم وجد قبل ذلك" [35] !"
وظاهر من هذا العرض لأصول المذهب الماركسي أنه قائم على"التحكم"الذي تمليه الرغبة في الوصول إلى نتائج معينة مرسومة من قبل! لا على الواقع، ولا على تتبع هذا الواقع.