الصفحة 47 من 114

وسلوك الفكر الغربي هذا المسلك مفهوم لنا جيدًا من خلال الاستعراض السابق، وما يفسره - وإن لم يكن له ما يبرره على إطلاقه - ونحن لا نشتد في لوم الفكر الغربي على موقفه هذا، وإن يكن موقفًا خاطئًا معيبًا، فقد صادف عقيدة محرفة مشوهة مشوبة بالوثنيات والأساطير منذ اللحظة الأولى، ثم واجه كنيسة مستبدة فاسدة في الوقت ذاته، تستطيل على الفكر والعلم والناس باسم هذه الخرافات التي تجعلها أساس العقيدة"الثابتة"!

نحن لا نشتد في لوما لفكر الغربي على هذا الموقف، ولكننا - في الوقت ذاته - يجب أن نفطن إلى الأسباب الحقيقية لجنوح الفكر الغربي - أو جموحه - لتغليب فكرة"التطور"المطلق، الذي لا يتقيد بأي أصل ثابت، ولا بأية قيمة ثابتة، ولا بأية حقيقة ثابتة، فليست هذه"حقيقة علمية"وإنما هي شهوة جامحة، وهوى شارد، مبعثه الرغبة في التملص من وثاق الكنيسة الجبار!

إن دارون - وهو يقرر مذهب التطور في خط سير الحياة - لم يكن يبحث، ولم يكن بحثه يتناول، إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون، تبدأ بعد وجود الحياة، ولا تمتد إلى مصدر الحياة، ولا إلى الإرادة التي صدرت عنها الحياة ... وحتى على فرض صحة نظريته - والآن توجه معاول الهدم إلى صلب النظرية [32] - فإن خط التطور يثبت أن هناك إرادة ثابتة من ورائه، وأنه يتم وفق خط مرسوم لا مجال للمصادفة فيه، وأنه جزء من"الحركة"التي هي قانون من قوانين الكون، وحركة الكون كما قلنا ليست فوضى، وإنما هي تتم حول قاعدة"ثابتة"وتتم في إطار"ثابت!".

وعلى أية حال فلم يكن لا"المنهج العلمي"ولا"الحقائق العلمية"هي التي أملت على دارون - حين لم يهتد إلى سر الحياة، ولم يستطع تعليلها علميًا - أن يهرب من ردها إلى الله، ووجودها ذاته يحتم الاعتراف بأن موجدها لابد أن يكون مريدًا مختارًا فيما يريد، عليمًا خبيرًا، قادرًا على تحقيق ما يريد ... ولكن دارون كان هاربًا من"الله"لأنه كان هاربًا من الكنيسة وإلهها الذي تصول باسمه وتجول ... ومن ثم رد الحياة إلى"الطبيعة"- التي لا حد لقدرتها كما يقول! ومن ثم حاول أن يوهم أن لا ثبات لشيء - على الإطلاق - بينما بحثه كله كان في دائرة خط سير الحياة، بعد وجود الحياة، ولم يكن يتناول"كل شيء"على الإطلاق [33] !

والمذهب الماركسي، هو أشد المذاهب"الوضعية"معارضة لحقيقة"الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت"، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة البارزة في طبيعة الكون"المادي"ذاته، يفقد المذهب ركيزته الأولى التي يقوم عليها، ويحطم دعواه في"التقدمية"كما يفهمها!

"وماركس له جدل - Dialektik - ومنطق استخدم فيه مبدأ"النقيض"الذي عرف للفيلسوفين الألمانيين قبله: نيتشه وهيجل، ولكن استخدمه في مجال آخر غير مجال"التصور"عند نيتشه وغير مجال"الفكرة"عند هيجل استخدمه في مجال"الاقتصاد"مستندًا إلى تاريخ الجماعة."

فكل"شيء"في نظره يتضمن نقيضه، بحيث أن كل"شيء"يهدم نفسه ... وهذا هو التصوير العام لمبدأ النقيض ... ولكن ماركس يستخدمه للتدليل على وقوع انهيار"الجماعات"التي قامت على"الرأسمالية"، فالجماعات السابقة عليها، وهي دول الملوك، والجماعات الإقطاعية - أصحاب المزارع الكبيرة - انهارت - بناء على تفكير ماركس - لأنها تضمنت عنصر المقابلة أو النقيض، وعلى هذا النحو كذلك ستنهار هذه الجماعة الحديثة"الرأسمالية"وتتحول إلى المقابل والنقيض، وهو الجماعة"الشيوعية"ذات الطبقة الواحدة من العمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت