والعاقل"الواعي"الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم، حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها تخبطًا منكرًا شنيعًا ... يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس! وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس ... يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، وفق أهواء بيوت الأزياء! يراها تصرخ من الألم، وتجري كالمطارد، وتضحك كالمجنون، وتعربد كالسكير، وتبحث عن لاشيء! وتجري وراء أخيله! وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار!
لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير!
إنها تقتل"الإنسان"وتحوله إلى آلة ... لتضاعف الإنتاج!
إنها تقضي على مقوماته"الإنسانية"وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء.
وتنظر إلى وجوه الناس، ونظراتهم، وحركاتهم، وأزيائهم، وأفكارهم، وآرائهم، ودعواتهم، فيخيل إليك أنهم هاربون! مطاردون! لا يلوون على شيء، ولا يتثبتون من شيء! ولا يتريثون ليروا شيئًا ما رؤية واضحة صحيحة ... وهم هاربون فعلًا! هاربون من نفوسهم التي بين جنوبهم! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة، التي لا تستقر على شيء"ثابت"ولا تدور على محور ثابت، ولا تتحرك في إطار ثابت ... والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله، ولا تملك أن تسعد وهي هكذا شاردة تائهة، لا تطمئن إلى دليل هاد، ولا تستقر على قرار مربح!
وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية، وهذا الشرود القاتل ... زمرة من المرابين، ومنتجي السينما، وصانعي الأزياء والصحفيين، والكتاب ... يهتفون لها بالمزيد من الصرع والتخبط والدوار، كلما تعبت وكلت خطاها، وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت، وحاولت أن تعود!
زمرة تهتف لها ... التطور ... الانطلاق ... التجديد ... بلا ضوابط ولا حدود ... وتدفعها بكلتا يديها إلى المتاهة كلما قاربت من المثابة ... باسم التطور ... وباسم الانطلاق ... وباسم التجديد ...
إنها الجريمة ... الجريمة المنكرة في حق البشرية كلها، وفي حق هذا الجيل المنكود [31] !
وفكرة"التطور"المطلق، لكل الأوضاع، ولكل القيم، ولأصل التصور الذي ترجع إليه القيم، فكرة تناقض - كما قلنا - الأصل الواضح في بناء الكون، وفي بناء الفطرة، ومن ثم ينشأ عنها الفساد الذي لا عاصم منه ... إنها تمنح حق الوجود، ومبرر الوجود، لكل تصور، ولكل قيمة، ولكل وضع، ولكل نظام، ما دام تاليًا في الوجود الزمني! وهو مبرر تافه، عرضي، لا ينبغي أن يكون له وزن في الحكم على تصور أو وضع أو قيمة أو نظام، إنما ينبغي أن يكون الوزن لمقومات ذاتية في ذات الوضع أو ذات النظام.
ونحن نعرف أن الفكر الأوربي - في هروبه من الكنيسة، ورغبته الخفية والظاهرة في خلع نيرها - قد مال إلى نفي فكرة"الثبات"- على الإطلاق - واستعاض عنها فكرة"التطور"- على الإطلاق - لم يستثن منها أصل العقيدة والشريعة، بل لقد كانت فكرة ثبات مقومات العقيدة والشريعة بالذات هي التي يريد التفلت منها والتملص والخلاص!