وفي النظر إلى آيات الله في الأنفس والآفاق: {قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض} [يونس: 101] ، {وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟} [الذاريات: 20 - 21] ، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] .
وفي النظر إلى سنن الله في الحياة البشرية وفي مصائر من قبلهم ودلالتها التاريخية: {قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير} [العنكبوت: 20] ، {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ كانوا أشد منهم وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} [الروم: 9 - 10] ، {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] .
وأمثال هذه التوجيهات كثير كثرة ملحوظة في القرآن الكريم، يتكون منها منهج كامل لتربية الإدراك البشري وتقويمه وتوجيهه [16] ، وستأتي منه نماذج كثيرة في الفصول التالية.
على أن الله، فاطر هذا الإنسان، العالم بحقيقة طاقاته، كان يعلم أنه بقدر ما وهبة من القدرة على إدراك قوانين المادة، والتعرف إلى طاقات الكون في هذا المجال، لتسخيرها في الخلافة ... بقدر ما روى عنه من أسرار"الحياة"- كنهها وكيفية وجودها وتصرفها - وأسرار تكوينه الروحي والعقلي، وحتى تكوينه الجسمي المتصل بنشاطه الروحي والعقلي لا يزال معظمه خافيًا على علمه وإدراكه، على نحو ما كشف لنا في القرن العشرين عالم من أكبر العلماء المتخصصين في إخلاص وصراحة،
وهو الدكتور"الكسيس كاريل"في كتابه"الإنسان ذلك المجهول"وهو يقول: ( ... لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا ... إننا لا نفهم الإنسان ككل ... إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا! فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة!
وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة ... فنحن لا نعرف - حتى الآن - الإجابة على أسئلة كثيرة مثل:
كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكي تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية.
كيف تقر"الجينس"- وحدات الوراثة - الموجودة في نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟
كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهي كالنمل والنحل تعرف مقدمًا الدور الذي قدر لها أن تلعبه في حياة المجموع وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد في الوقت ذاته.
ما هي طبيعة تكويننا النفساني والفسيولوجي؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء، والسوائل، والشعور ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزًا ...
إننا مازلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريبًا عن"فسيولوجية"الخلايا العصبية ... إلى أي مدى تؤثر الإرادة في الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ على أي وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية، التي يرثها كل فرد، أن تتغير بواسطة طريقة الحياة، والمواد الكيماوية الموجودة في الطعام، والمناخ، والنظم النفسية والأدبية؟