الصفحة 30 من 114

إننا ما زلنا بعيدين جدًا من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلي والروحي ... وما زلنا نجهل العوامل التي تحدث التوازن العصبي، ومقاومة التعب، والكفاح ضد الأمراض.

إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبي، وقوة الحكم، والجرأة.

ولا ما هي الأهمية النسبية للنشاط العقلي الأدبي، كذا النشاط الديني.

أي شكل من أشكال النشاط مسؤول عن تبادل الشعور أو الخواطر؟

لا شك مطلقًا في أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هي التي تقرر السعادة أو التعاسة، النجاح أو الفشل ... ولكننا لا نعرف ما هي هذه العوامل.

إننا لا نستطيع أن نهب أي فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة بطريقة صناعية وحتى الآن فإننا لا نعرف: أي البيئات أكثر صلاحية لإنشاء الرجل المتمدين وتقدمه ...

هل في الإمكان كبت روح الكفاح والمجهود، وما قد نحس به من عناء بسبب تكويننا الفسيولوجي والروحي؟

كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه في المدينة العصرية؟

بالنسبة لنا، ولكنها ستظل جميعًا بلا جواب ... فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب [17] .

هذا هو مدى جهلنا بحقيقة"الإنسان"- إحدى الحقائق التي يتألف منها التصور الاعتقادي الشامل - بل جهلنا بأصغر وأظهر جانب من جوانب هذه الحقيقة ... كما يقرره عالم من أكبر العلماء في القرن العشرين، غير متهم في علمه، وغير منازع في مكانته في العالمين: القديم والجديد!

أما أسباب هذا الجهل، من وجهة نظره القائمة على"المنهج العلمي"كما هو معروف في الغرب، وعلى انطباعاته في جو بيئته الغربية وفي جو"البحث العلمي"، وفي حدود"العلم"كما يقرر هو في مقدمة الكتاب ... أما أسباب هذا الجهل من وجهة نظره هذه، التي نوافقه في بعضها ونخالفه في بعضها، فهي كما يقول: (قد يعزى جهلنا في الوقت ذاته، إلى طريقة حياة أجدادنا، وإلى طبيعتنا المعقدة، وإلى تركيب عقلنا ... ) .

ويتحدث عن السببين الأولين حديثًا دقيقًا، ولكنه لا يعنينا هنا، فننتقل إلى حديثه عن السبب الثالث، يقول: (وثم سبب آخر للبطء الذي اتسمت به معرفتنا لأنفسنا، وذلك أن تركيب عقولنا يجعلنا نبتهج بالتفكير في الحقائق البسيطة، إذا أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولي حل مشكلة معقدة مثل: تركيب الكائنات الحية والإنسان ... فالعقل - كما يقول برجسون - يتصف بعجز طبيعي عن فهم الحياة ... وبالعكس فإننا نحب أن نكتشف، في جميع العوالم، تلك الأشكال الهندسية الموجودة في أعمال شعورنا ... إن دقة النسب البادية في تماثيلنا وإتقان آلاتنا يعبران عن صفة أساسية لعقلنا ... فالهندسة غير موجودة في دنيانا، وإنما أنشأناها نحن، إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبدًا بالدقة التي تتصف بها وسائل الإنسان! فنحن لا نجد في العالم ذلك الوضوح وتلك الدقة التي يتصف بها تفكيرنا ... ومن ثم فإننا نحاول أن نستخلص من تعقد الظواهر، وبعض النظم البسيطة التي تحمل عناصر، لإحداها بالأخرى علاقات معينة، تكون قابلة للوصف حسابيًا ... وقدرة الاستخلاص هذه التي يتمتع بها العقل البشري، مسؤولة عن ذلك التقدم الرائع الذي أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت