الصفحة 31 من 114

ولقد لقيت الدراسة الطبيعية - الكيماوية للكائنات الحية نجاحًا مماثلًا، فقوانين الطبيعة والكيمياء، متماثلة في عالم الكائنات الحية وعالم الجماد - كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد - وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديث مثلًا أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة، وأن النشاط الذي تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر ... الخ ... إن النواحي الطبيعية - الكيماوية للكائنات الحية يسهل تقريبًا فحصها، مثل تلك النواحي في الأشياء الأخرى الموجودة في العالم المادي ... وتلك المهمة التي نجح علم وظائف الأعضاء في تحقيقها.

إن دراسة الظواهر الفسيولوجية الحقة - أي تلك الظواهر التي تنتج من تنظيم الكائن الحي - تواجه عقبات أكثر أهمية، إذ أن شدة ضآلة الأشياء التي يجب تحليلها، تجعل من المستحيل استخدام الفنون العادية لعلمي الطبيعة والكيمياء ... فأي طريقة يمكن أن تكشف القناع عن التركيب الكيماوي لنواة الخلية الجنسية، والكروموسومات؟ والجينس"ناقلات الوراثة"التي تؤلف هذه الكروموسومات؟ مهما يكن ... إن المجموع الكلي للمواد الكيماوية شديدة الضآلة، على أعظم جانب من الأهمية، لأنها تحتوي على مستقبل الفرد والجنس [18] ... كما أن قابلية أنسجة معينة لسرعة العطب، مثل المادة العصبية، عظيمة إلى درجة أن دراستها في حالة الحياة مستحيلة تقريبًا ... ونحن لا نملك أي فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضه، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه، وعقلنا الذي يحب ذلك الجمال البسيط للتراكيب الحسابية، ينتابه الفزع حينما يفكر في تلك الأكداس الهائلة من الخلايا والأخلاط والإحساسات، التي يتكون منها الفرد، ومن ثم فإننا نحاول أن نطبق على هذا المخلوط، الأفكار التي ثبتت فائدتها في مملكة الطبيعة والكيمياء والميكانيكيات، كذا في النظم الفلسفية والدينية ... ولكن مثل هذه المحاولة لا تلقى نجاحًا كبيرًا، لأن أجسامنا لا يمكن أن تختزل إلى: نظام طبيعي كيميائي، أو إلى كيان روحي ... بالطبع، إن على علم الإنسان أن يستخدم آراء جميع العلوم الأخرى، ولكن عليه أيضًا أن ينمي آراءه الخاصة لأنه علم جوهري، مثل علوم الجزئيات والذرات والإلكترونات).

وينهي هذا الفصل بقوله:(صفوة القول: أن التقدم البطئ في معرفة بني الإنسان - إذا قورن بالتقدم الرائع في علوم الطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا، يعزى إلى حاجة أجدادنا إلى وقت الفراغ، وإلى تعقد الموضوع، وإلى تركيب عقولنا ...

وهذه العقبات أساسية، وليس هناك أمل في تذليلها، وسيظل التغلب عليها شاقًا، يستلزم جهودًا مضنية ...

إن معرفة أنفسنا لن تصل أبدًا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، والجمال، التي بلغها علم المادة، إذ ليس من المحتمل أن تختفي العناصر التي أخرت تقدم علم الإنسان ... فعلينا أن ندرك بوضوح، أن علم الإنسان هو أصعب العلوم جميعًا) [19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت