هذا هو تعليل ذلك الجهل بحقيقة الإنسان، أو بأصغر وأظهر جانب من جوانب هذه الحقيقة - من وجهة نظر العالم الغربي الكبير ... ومهما نختلف معه في طريقة النظر إلى القضية كلها ... فإننا نكتفي بهذه الشهادة، ونراه قد لمس فيها السبب الأساسي - وهو طبيعة تكوين عقلنا - فهذا التكوين مرتبط بوظيفة الإنسان في الأرض - وظيفة الخلافة - وهي تقتضي أن يكون تركيب عقله على هذا التصميم لأنه أنسب تصميم للقيام بالوظيفة! وسيتقدم في إدراك قوانين المادة وتسخيرها، كما سيتقدم في معرفة جوانب من"حقيقة الإنسان"أكثر مما عرف، ولكن أسرار التكوين الإنساني ستظل خافية عليه أبدًا ... سيظل سر الحياة، وسر الموت، خافيين تمامًا، وسيظل سر الروح الإنساني بعيدًا عن مجال إدراكه ... لأن شيئًا من هذا كله لا يلزمه في وظيفته الأساسية.
وعلى أية حال، فإنه من خلال هذه الشهادة - وحدها - تبرز لنا حقيقتان جاهرتان:
أولاهما:
حقيقة رحمة الله بهذا الإنسان، حين لم يدعه - بجهله هذا الذي يشهد به عالم كبير من علمائه في القرن العشرين - يصنع تصوره الاعتقادي لنفسه، وهذا التصور يشتمل تفسيرًا شاملًا - لا لحقيقة الإنسان المجهولة له فحسب، ولكن كذلك الحقيقة الألوهية الكبرى ولحقيقة الكون وحقيقة الحياة، وسائر الارتباطات بين هذه الحقائق جميعًا ... وحين لم يدعه - بجهله هذا بحقيقة ذاته - يصنع منهج حياته وشكل نظامه، وشريعته وقوانينه ... ولكها تقتضي علمًا كاملًا شاملًا، لا بحقيقة الإنسان وحدها، ولكن كذلك بحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان، وبحقيقة الحياة التي ينتسب إليها، ثم بحقيقة القوة الكبرى الخالقة المدبرة لهذا الكون وما فيه ومن فيه ...
وثانيتهما:
حقيقة التبجح الذي تبجحه كل من تصدى من جنس البشر - قديمًا وحديثًا - لوضع ذلك التفسير الشامل للكون والحياة والإنسان، ولوضع مناهج للحياة وأنظمة للناس وشرائع لحياتهم ... بمثل هذا الجهل، الذي لا يمكن أن يؤدي، إلا لمثل ما أدى إليه من تيه وركام في التصورات، ومن فساد وقصور في المناهج، ومن شقاء وتعاسة في الحياة ... فهذه كلها هي النتائج الطبيعية والثمار المرة لذلك التبجح الكريه! ولذلك الجهل العميق [20] .
إن التصور الرباني الذي يتلقاه الإنسان من"الله"هبة لدنية خالصة ... قد أعفى البشر الضعاف الجهال من الكد فيها، ووفر عليهم همّ إنشائها، وتبديد طاقتهم في هذا المجال الذي لم يهبهم الله دليله ولا أداته ... وذلك ليفرغوا لتلقي هذه الهبة وإدراكها، والتكيف بها،، واتخاذها أساسًا لمنهج حياتهم، وميزانًا لقيمهم، ودليلًا هاديًا يصلون به ومعه ... فإذا فارقوه ضلوا وتاهوا، وخبطوا وخلطوا، وجاءوا بما يضحك ويبكي من التصورات والانحرافات، وشقوا وتعسوا بالمناهج والأنظمة التي يقيمونها على أساس من ذلك الجهل العميق! ومن ذلك الخبط والتخليط!
وفي هذا يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين": (وقد كان الأنبياء - عليهم السلام - أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوًا بدون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص، وفي علوم ليس عندهم مبادئها، ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم، ليتوصلوا إلى مجهول، لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، ولا تعمل فيها حواسهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأولية.