الصفحة 33 من 114

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة، وأعادوا الأمر جذعًا، وبدأوا البحث أُنفًا، وبداوا رحلتهم في مناطق مجهولة، لا يجدون فيها مرشدًا ولا خِرّيتًا [21] ، وكانوا في ذلك أكثر ضلالًا، وأشد تعبًا وأعظم اشتغالًا بالفضول ... من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنساني في الجغرافية، وما حدد وضبط في الخرائط على تعاقب الأجيال، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه ... على قصر عمره، وضعف قوته، وفقدان آلته ... فلم يلبث أن انقطعت به مطيته، وخانته عزيمته، فرجع بمذكرات وإشارات مختلة ... وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات، من غير بصيرة، وعلى غير هدىن جاءوا في هذا العلم بآراء فجة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة ونظريات مستعجلة ... فضلوا وأضلوا) [22] .

على أن أمر الذين حاولوا إنشاء تصورات اعتقادية من عند أنفسهم، أو إنشاء تصورات فلسفية لتفسير الوجود وارتباطاته كانوا أشد ضلالًا من هذا الذي صوره الأستاذ الندوي، وأكثر خطرًا على حياة البشرية، أما الأخطر من هذا كله، فكان هو تحريف العقائد السماوية - وبخاصة النصرانية - وقيام كنيسة في أوربا تملك السلطان باسم هذه النصرانية المحرفة، وتفرض تصوراتها الباطلة بالقوة كما تفرض معلوماتها الخاطئة والناقصة عن الكون المادي، وتعارض بوحشية خط البحث العلمي في ميدانه الأصيل، بمقولات تعطيها طابع الدين، والدين منها برئ ...

وقد نشأ هذا كله من تدخل الفكر البشري بالإضافة والتأويل والتحريف للأصل الرباني للعقيدة النصرانية وللتصور النصراني، وإلحاق هذا كله بالأصل الرباني والعقيدة السماوية.

فإذا نحن تكرنا أن جميع النزعات الأوربية، التي نشأت معادية للدين وللفكر الديني، كان منشؤها هو هذا الانحراف، وهذه الأوضاع التي قامت على أساس هذا الانحراف ..."من عقلية مثالية"إلى"وضعية حسية"إلى"جدلية مادية"... إذا تذكرنا هذا أدركنا أن هذا البلاء الذي يعم البشرية كلها اليوم، إنما نشأ من عقابيل تدخل الفكر البشري، في أصل التصور الرباني، وهو بلاء لا يعد له بلاء آخر في تاريخ البشرية الطويل ...

ولعله يحسن - لتكون هذه النقطة واضحة وضوحًا يناسب خطورتها - أن نذكر خلاصة موجزة للخط الذي سار فيه الفكر الأوربي، بوصفه نتيجة طبيعية مباشرة لانحراف التصور الديني، بتدخل الفكر البشري فيه، وبإخضاعه للعوامل السياسية، والخلافات العنصرية والمذهبية.

ولعل هذه الخلاصة أن تكشف لنا عن حكمة الله ورعايته في حفظ أصول التصور الإسلامي بعيدة عن تحريف البشر، وعن خطورة أية محاولة باسم"التجديد الديني"أو"التطور في الفكر الديني"أو غيرهما، لإدخال أي عنصر بشري على التصور الرباني ... فهذا التصور هو الوحيد الباقي من غير أن يعبث به جهل البشر وقصورهم وهو وحده ملاذ البشرية، لتفئ إليه في يوم من الأيام، فنجد عنده الهدى والسكينة والاطمئنان.

وسنكتفي في هذا التلخيص لخط سير الفكر الأوربي - في اتجاه مضاد للكنيسة وتفكيرها الديني - بمقتبسات من الفصل الذي كتبه الدكتور محمد البهي بعنوان"الدين مخدر!"في كتابه"الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت