الصفحة 34 من 114

الصراع بين الدين والعقل والحس في تاريخ الفكر الغربي: أربع مراحل في تاريخ التفكير الأوربي، منذ القرن الرابع عشر إلى الآن، شهدت فيها العقلية الأوربية صراعًا فكريًا، واتجاهات عقلية مختلفة، تدور حول"تبرير"مصدر من مصادر المعرفة، التي عرفتها البشرية في تاريخها حتى الوقت الحاضر، وهي: الدين، والعقل، والحس أو الواقع، وفي كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن"قيمة"أي واحد من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة، أو اليقينية، ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجابًا أو سلبًا، ومن السؤال وما يدور حوله من جدل، وأخذ ورد، تتكون المذاهب الفلسفية التي تعبر عن قيمة المصدر، الذي وضع للاختبار والتقدير.

سيادة النص أو الدين"كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدًا في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة، وكان يقصد بالدين"المسيحية"، وكان يراد من المسيحية"الكثلكة"، وكانت الكثلكة تعبر عن"البابوية"، والبابوية نظام كنسي ركز"السلطة العليا"- باسم الله - في يد البابا، وقصر حق تفسير"الكتاب المقدس"على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وأفهام الكنيسة الكاثوليكية، وجعل عقيدة"التثليث"عقيدة أصيلة في المسيحية، كما جعل"الاعتراف بالخطأ"و"صكوك الغفران"من رسوم العبادة وغير ذلك مما يتصل بالكاثوليكية كمذهب وكنظام لاهوتي."

حتى كان القرن الخامس عشر، وحتى ابتدأت الحروب الصليبية تثمر ثمرتها الإيجابية في العقلية الأوربية، فقام مارتن لوثر - Luthe - [1546 - 1453 م] وكافح"تعاليم الشيطان"- كما سماها - وهي تعاليم البابوية والكنيسة الكاثوليكية، فحارب صكوك الغفران، ونظر إليها كوسائل للرق والعبودية، وحارب عقيدة"التثليت"، كما حارب سلطة البابا، وجعل السلطة الوحيدة في المسيحية هي الكتاب المقدس، وكلمة الله - النص - وطالب بالحرية في بحث الكتاب، ولكن ليست أية حرية على العموم، ومع ذلك جعل الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان، ثم جعل الإيمان في الاعتبار، سابقًا على أي شيء آخر عداه، من العقل أو الطبيعة.

وجاء بعد لوثر - في طريقه -"كالفن"- Calvin - [1509 - 1564 م] واقر لوثر على أن الإنجيل وحده هو المصدر"للحقيقة المسيحية"وأن عقيدة التثليث لا تقبلها المسيحية الصحيحة.

وبحركة لوثر وكالفن الإصلاحية تعرضت المسيحية للجدل الفكري، وأصبحت موضوعًا للنقاش العقلي، والمذاهب الفلسفية ... والمسيحية التي تعرضت لذلك هي المسيحية التي تناولها لوثر بإصلاحه، أي الكاثوليكية البابوية، ومن أنكر من الفلاسفة على الدين أن تكون له"سلطة"أنكر سلطة البابوية، ومن وضع العلاقة بين الدين والعقل كشيئين متقابلين أو متناقضين، حدد العلاقة بين الكثلكة - وما فيها من عقيدة التثليث ومراسم صكوك الغفران - وبين العقل الإنساني العام، ومن دافع عن المسيحية من الفلاسفة، كهجيل، دافع عن"التعاليم النقية للمسيحية"التي احتضنها لوثر، في مقابل تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.

وهكذا كان"الدين"الذي جعل موضوعًا للصراع العقلي الأوربي، نوعًا خاصًا من الدين، والذي قبل منه باسم الفلسفة، كان جملة خاصة من تعاليمه، والذي رفض منه باسم الفلسفة أيضًا، كان كذلك جملة خاصة من تعاليمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت