الصفحة 35 من 114

"سيادة العقل"؛ استمر اعتبار الوحي، كمرجع أخير للمعرفة، على خلاف في تحديد تعاليمه، حتى كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو عصر"التنوير"في تاريخ الفلسفة الأوربية، وعصر التنوير له طابعه المشترك في الفكر الألماني والإنجليزي والفرنسي، في الفترة الزمنية التي تحدده، وله فلاسفة في دوائر الفكر الثلاث كونوا الطابع الفكري الذي عرف به ...

وطابعه الفكري ...

أ) تزايد شعور العقل وإحساسه بنفسه، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية في يده، بعد أن يزيل كل عبوديه ورثها هو، حتى لا تحجبه عن التخطيط الواضح لهذا المصير [23] .

ب) الشجاعة والجرأة التي لا تتأرجح في إخضاع كل حدث تاريخي لامتحان العقل، وكذلك في تكوين الدولة والجماعة، والاقتصاد، والقانون، والدين، والتربية، تكوينًا جديدًا، على الأسس السليمة المصفاة، التي لكل واحد منها!

ج) الإيمان بتعاون جميع المصالح والمنافع، وبالأخوة في الإنسانية، على أساس من هذه الثقافة العقلية، المستمرة في التطور ...

ومعنى ذلك كله؛ سيادة"العقل"- كمصدر للمعرفة - على غيره، وغيره الذي ينازعه"السيادة"هو الدين، أي المسيحية الكاثوليكية أولًا، وقد تكون معها البروتستانتية، كمذهب عرف للإصلاح الديني هناك.

فللعقل الحق في الإشراف على كل اتجاهات الحياة، وما فيها من سياسة، وقانون، ودين، و"الإنسانية"هي هدف الحياة للجميع.

وكما يسمى هذا العصر بـ"عصر التنوير"يسمى أيضًا بـ"العصر الإنساني"، وكذا بعصر الـ"Deism"أي عصر الإيمان الفلسفي بإله، ليس له وحي، وغير خالق للعالم، إذ كل مسميات هذه الأسماء تعتبر من خواصه، فالتنوير لا يقصد به إلا إبعاد الدين عن مجال التوجيه، وإحلال العقل فيه محله، والإنسانية التي يبشر بها هذا العصر ليست إلا عوضًا عن"القربى من الله"كهدف للإنسان في سلوكه في الحياة، والإله، الذي ليس له وحي ولا خلق، يتفق مع تحكيم العقل وحده، وطلب سيادته على أحداث الحياة واتجاهاتها.

وإذن في عصر التنوير كانت الخصومة الفكرية بين الدين والعقل، واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل، ولذلك عد زمن هذا العصر فترة سيادة العقل، كما عد العصر السابق عليه فترة سيادة الدين ...

ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين، هو صراع الفكر الإنساني مع مسيحية الكنيسة، وأن دوافع هذا الصراع هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية، سواء في مجال التوجيه والبحث، أو في مجال السياسة، أو نطاق العقيدة والإيمان ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت