"سيادة الحس"؛ انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبًا، وابتدأ عصر آخر من عصور الفكر الأوربي، وبظهور فجر القرن التاسع عشر، وموضوع الصراع واحد لم يختلف عن ذي قبل، هو: الدين، والعقل، والطبيعة، ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة، لأن اتجاه الفكر فيه مال إلى"سيادة الطبيعة"على الدين والعقل، وإلى استقلال"الواقع"كمصدر للمعرفة اليقينية إزاء الدين والعقل، تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر"الوضعية"- ositivism - والوضعية نظرية فلسفية نشأت في دائرة"المعرفة"، وقامت في جو معين، وعلى أساس خاص، أما جوها المعين فهو أولًا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة في معارضة الكنيسة، والكنيسة تملك نوعًا خاصًا من المعرفة، وتستغله في خصومة المعارضين لنفوذها من العلماء والباحثين، وقد تسود به على هؤلاء المعارضين فترة من الزمن، وهذا النوع هو"المعرفة المسيحية الكاثوليكية"بوجه خاص - كما سبق أن ذكر - أو هو المعرفة الدينية، أو المعرفة الميتافزيقية بوجه عام، يضاف إلى هذه الرغبة القوية في معارضة الكنيسة، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة، أن فلسفة عصر"التنوير"وهي الفلسفة"العقلية"أو"المثالثة"قد أفلست - في نظر فلاسفة"الوضعية"- فيما أرادت أن تصل إليه: وهو إبعاد التوجيه الكنسي كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية، فقد مالت هذه الفلسفة على عهد"هيجل"إلى تأييد الوحي والدين من جديد!
فالغاية الأولى للمذهب الوضعي، من منطقة، هي معارضة الكنيسة، أو معارضة معرفتها، ومن باب التغطية باسم"العلم"! هي معارضة الميتافيزيقا - ما وراء الطبيعة - والمثالية العقلية، وإلا فالمذهب الوضعي في الوقت الذي ينكر فيه دين الكنيسة يضع دينًا جديدًا بدله، هو دين"الإنسانية الكبرى"، ويقوم على"عبادة"و"طقوس"- كما تقوم المسيحية - وله قداسة واحترام على نحو ما للكثلكة!
وأما الأساس الخاص الذي قامت عليه الوضعية فهو تقدير"الطبيعة"والطبيعة، والحقيقة، والواقع، والحس ... كلها سواء في نظر الوضعيين، وتقدير الطبيعة - لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة - بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة، ومعنى تقدير الطبيعة على هذا النحو: أن الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان، وهي التي توحي بها، وترسم معالمها الواضحة، وهي التي تكوّن عقل الإنسان، والإنسان - لهذا - لا يملي عليه من خارج الطبيعة، مما وراءها، كما لا يملي عليه من ذاته، إذ ما يأتي من"ما وراء الطبيعة"خداع للحقيقة، وليس حقيقة! وما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة، وليس حقيقة أيضًا! وبناء على ذلك: الدين وهو وحي"ما بعد الطبيعة"- خداع، هو وحي ذلك الموجود، الذي لا يحدده ولا مثله كائن من كائنات الطبيعة، هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية ... وكذلك"المثالية العقلية"وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي، إذ هي تصورات الإنسان عن نفسه، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة، التي يعيش فيها، وتدور حوله.
وإذن ما يتحدث به الإنسان، ككائن شخصي، عن الإنسان، كموضوع للوصف، أو ما يتحدث به الإنسان عن الطبيعة التي يعيش فيها، كموضوع للحكم عليها - مستمدًا حديثه عن هذه أو ذاك من معارف الدين، أو المثالية - هو حديث بشيء غير حقيقي، عن شيء حقيقي، هو حديث غير صادق، خضع فيه الإنسان المتحدث إلى خداع الدين بحكم التقاليد، أو إلى"الوهم"بحكم غرور الإنسان بنفسه!