إن عقل الإنسان - أي ما فيه من معرفة - وليد الطبيعة، التي تتمثل في: الوراثة، والبيئة، والحياة الاقتصادية، والاجتماعية ... إنه مخلوق، ولكن خالقه الوجود الحسي ... إنه يفكر، ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به ... إنه مقيد مجبر، وصانع القيد والجبر هو حياته المادية ... ليس هناك عقل سابق، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان، عقل الإنسان ومعرفته بوجدان تبعًا لوجود الإنسان، هما انطباع لحياته الحسية المادية.
الطبيعة تنطق عن نفسها، ويجب على الإنسان أن يعتمد منطقها، إذا أراد أن يعيش فيها، ومنطقها وحده - لا منطق المؤهلين، ولا منطق العقليين، ولا منطق أصحاب النظرية السيكولوجية في معرفة الإنسان - هو الذي يخط الطريق المستقيم في حياة الإنسان فيها، وهو الذي يحدد أهدافه فيها!
وطريق الإنسان في حياته الطبيعية يبتدئ من الفرد، وينتهي بالجماعة، وإذن: الفرد نفسه ليس غاية، وحياته التي يعيشها ليست هدفًا لسعيه، إنما غايته الأخيرة التي يجب أن يسعى إليها، ويذهب فيها - كما يذهب العابد الصوفي، صاحب عقيدة"الاتحاد"فيما يؤهله ويعبده - هي"الجماعة"وطالما كانت الجماعة هي غاية الفرد الأخيرة، فهي معبوده، وتذهب حريته، لتبقى لها الحرية! وتفنى حياته لتبقى لها الحياة! [24] "."
"الماركسية"- الجدلية المادية:
ولماركس نظرية مادية، تأثر فيها بكومت - من فلاسفة الوضعية - وهو لا ينكر وجود"العقل"كما ينكره المذهب المادي الميكانيكي، ولكنه لا يدعي فحسب أن المادة توجد قبل العقل، بل أيضًا المادة أكثر أهمية واعتبارًا من العقل متوقف على المادة في وجوده، ولا يمكن أن يوجد منفصلًا عنها، ونتيجة ذلك: ان ماركس لا يرفض فقط أن يبقى العقل - أو الروح - بعد الجسم - كما يذكر الدين - بل يرفض الفكرة الأساسية في الدين، وهي الإيمان بالله، كموجود أزلي مستقل تمامًا ومتجرد تمامًا على المادة ... وكحقيقة واضحة: كل دين بالنسبة لماركس - من حيث المبدأ - لعنة، وهو يحدثنا أن"كل دين مخدر للشعب"!
"وتبعية العقل للمادة، يصورها ماركس في صورة: أن العقل انعكاس للمادة، وليس كما يصرح"هيجل"بأن المادة انعكاس للعقل، وهذا يعني أن العقل نوع من المرآة العاكسة للعالم المادي، وهذا التصور الماركسي للحقيقة المادية، على أنها الأصل، يشمل عموم منطق الماركسية كل الأحداث الطبيعية وما يحيط بها من وجهة نظر متعددة، هي القوة المادية الرئيسية أيضًا، أما الأحداث السياسية والاجتماعية، والأخلاقية، فهي انعكاس للأحداث الاقتصادية الراهنة، وماركس وإنجلز، عن وجدا مغزى التاريخ في أحداث الحياة الاجتماعية بصفة عامة، لكنهما ينظران إلى الجانب الاقتصادي بالذات، من بين أحداث هذه الحياة، والأحوال الاقتصادية تبعًا لذلكن هي العوامل المحددة في كل الحالات الاجتماعية، وهي التي تكوّن البواعث الأخيرة، لكل الأعمال الإنسانية في تاريخ الجماعة البشرية."
وتغير الأحوال الاقتصادية وتطورها يؤثر لذلك - وحده - على حياة الدولة، وعلى سياستها، وكذلك على العلم، والدين، وهكذا كل الإنتاج الثقافي والذهني فرع عن الحياة الاقتصادية، وكل التاريخ لهذا يجب أن يكون تاريخ اقتصاد" [25] ."