الصفحة 38 من 114

وهكذا انتهت محاولة الهروب من الكنيسة، وتصوراتها الدينية لا المحرفة المشوبة بالأفكار البشرية، وسوء استغلالها لسلطانها باسم الدين ... انتهت أولًا إلى الفلسفة العقلية المثالية - على اختلاف اتجاهاتها ما بين معارضة الدين وإعلان سيطرة العقل في رأي فيشته ... وبين تأييد الدين باعتبار أن الله سبحانه عقل! في رأي هيجل - ثم انتهت ثانيًا إلى الفلسفة الحسية الوضعية على يد كومت واشتين تال، ثم إلى الجدلية المادية على يد كارل ماركس وزميله إنجلز.

وكان هذا الخط الطويل من الانحراف في الفكر الأوربي نتيجة مباشرة لتشويه التصور الديني بمقولات وتصورات بشرية، من صنع الكنائس والمجامع المتوالية، هذه المقولات التي استغلتها الكنيسة ذلك الاستغلال المنفر البغيض.

وإلا فإن نظرة إلى هذا التخبط في خطواته المتعثرة تكشف للباحث المتثبت أن الهاربين من"الله"- لكي يهربوا من قبضة الكنيسة - لم يصلوا إلى أية حقيقة"مضبوطة"يصح أن تكون عذرًا أو حجة لمن يريد أن يقول: إنه يلجأ إلى هذا هروبًا من معميات ما وراء الطبيعة!

وإلا فأي شيء"مضبوط"وصلت إليه الفلسفة العقلية المثالية مثلًا؟ ما هو هذا"العقل"الذي وكلت إليه أمر المعرفة بعيدًا عن الله وعن الطبيعة؟ ماذا تعرف عن ماهية العقل أو عن خصائصه؟ وماذا تعرف عن طريقة عمله وتأثراته وتأثيراته؟ أين يقع هذا العقل؟ أين يوجد؟ ما طبيعته؟ ما قانونه؟ كلها أسئلة لا جواب عليها حتى في القرن العشرين!

ثم هذه المقولات التي ابتدعتها هذه الفلسفة، وجعلتها حتمية، وبنت عليها كل قضاياها؟

"مبدأ النقيض"الذي قام عليه المذهب - والذي اعتمد عليه كارل ماركس فيما بعد - ما هو؟ ما قيمته الواقعية؟ إنه ليس سوى مقولة عقلية مجردة، لا تتعامل مع الواقع في شيء.

استخدم"فيشته"مبدأ النقيض على النحو التالي ...

"تصور الإنسان لنفسه - وحده - هو بداية الطريق، وأشبه بالمقدمات التي تستلزم نتائجها، على النحو الذي حدد به غاية فلسفته، فإذا تصور الإنسان نفسه، أي إذا"أنا"تصورت"أنا"نشا عنه أن"أنا"هو"أنا"و"ما ليس أنا"هو"غير أنا"فهنا"أنا"وهنا أيضًا"ليس أنا"، ولكن وجود"ليس أنا"منطو في وجود"أنا الحقيقي"وإذن"أنا"باعتبار أنه يطوى في ذاته وجود"ليس أنا"هو"أنا وليس أنا"... وتصور الإنسان لنفسه أنتج إذن خطوات ثلاثًا في الفكر - أو ثلاثية!"

وبما أنه ليس هناك في الأصل، عندما تصور الإنسان نفسه، إلا"أنا"فالأشياء الخارجة عن أنفسنا - أي الأشياء التي هي"ليس أنا"- نتصورها فقط عن طريق أن"أنا"يطوى في نفسه حقيقة أخرى، وهي:"ليس أنا"، وهذه الأشياء الخارجة عن أنفسنا ليست منطوية فقط في"أنا"بل هي عمل لـ"أنا"ومن إنتاجه" [26] !"

والآن ... ما الذي يحتم - من الواقع - أن يكون"أنا"هو وحده الموجود، وأن يكون"ليس أنا"لا وجود له ابتداء، إنما هو من عمل"أنا"ومنطو في"أنا"؟ ومن إنتاجه؟

ماذا يحتم هذه المقولة من الواقع؟ لا شيء! وإنما هو مجرد تحكم عقلي من"فيشته"لبناء مذهب! ومن هنا يكون هذا الأساس العقلي"المثالي"لا يتعامل مع الواقع في شيء، وليس له رصيد في حياة البشر! وكان من حق المدرسة الوضعية أن تسخر من هذه"المثالية"التي لا مدلول لها في دنيا الواقع، ولا فاعلية ما في حياة الناس! لولا أنها لم تسخر منها لتأتي بما هو خير، بل بما هو أشد إحالة وأبعد عن الصواب!

إن فيشته يتخذ من المبدأ السابق، الذي لا رصيد له من الواقع كما رأينا، قاعدة يثبت بها أن العقل هو الموجود الحقيقي الذي لا يتوقف وجوده على غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت