"ومنطق هذا المبدأ - على هذا النحو الذي استخدمه فيشته - أن العقل مستقل تمامًا عن غيره، وموجود من أجل نفسه، ووجوده هو وجوده هو، لا وجود غيره، وماهية العقل تتضح إذن من العقل نفسه، وليست مما هو خارج عنه، إذ لو توقف العقل على غيره الخارجي عنه، لكان معنى ذلك أن"ليس أنا"هو نقطة البداية، وفي ذلك إلغاء للعقل نفسه، قبل أن يصل إلى غيره، لأنه لا معنى لوجود"ليس أنا"إلا نفي وجود"أنا"أي نفي العقل" [27] !
فما الذي يحتم - من الواقع - أن يكون معنى وجود"ليس أنا"هو نفي وجود"أنا"؟ ولماذا هذا التحتيم؟ إنه مجرد تحكم ينقضه العقل ذاته، حين يتخلص من إسار المذهب!
فإنه ليس هناك ما يمنع - عقلًا - أن يكون"أنا"موجودًا و"ليس أنا"موجودًا كذلك، و يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر!
ولكن المسألة كلها كانت هي إقامة إله آخر، غير إله الكنيسة! إله ليس له كهنة ولا كرادلة ولا بابا ولا كنيسة! ومن ثم أقيم هذا"العقل"إلها، لا سدنة له ولا كهنة! وهذا هو الهدف النهائي المقصود!
كذلك استخدم هيجل مبدأ النقيض، مع استخدام مصطلحات جديدة غير مصطلحات فيشته ...
"وإذا كان فيشته قد استخدم مبدأ"النقيض"في دعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة، مقابل الدين أو الطبيعة - على نحو ما رأينا - ف"هيدل"استخدم نفس المبدأ لتأكيد قيمة العقل، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد، وتأكيد"الوحي"كمصدر أخير"للحقيقة"على اعتبار أن الله عقل، وبدل المصطلحات الثلاثة التي تعرف ل"فيشته"في استخدامه مبدأ النقيض، والتي تعبر عن الخطوات الثلاث للفكر عند تطبيقه - يعبر هيجل عن ذلك بعبارات خاصة به، هي: الدعوى، ومقابل الدعوى، وجامع الدعوى ومقابلها."
فقد تصور - في مجال"الفكرة"- أن هناك فكرة مطلقة أسماها"العقل المطلق"ولهذا العقل المطلق وجود ذاتي أزلي قبل خلق الطبيعة وقبل خلق العقل المنتهي، هذا العقل المطلق هو الله، وقد انبثقت منه"الطبيعة"وهي تغيره، إذ أنها بعيدة متفرقة بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة من كل قيد، وبوجود الطبيعة ظهرت أو انتقلت"الفكرة"في العقل المطلق غير المحدد، فيما وجوده مقيد محدد، فالطبيعة هي خروج"الفكرة"من دائرتها الأولى، ومن أجل ذلك هي ضرورة وصدفة، وليس فيها حرية واختيار، وتعتبر بذلك مقابلًا ونقيضًا للفكرة في العقل المطلق، وإذا كان العقل المطلق"دعوى"فالطبيعة عندئذ"مقابل الدعوى"، و"الفكرة"بذلك انتقلت من المطلق إلى المقيد، أو من النقيض إلى نقيضه، فالفكرة من حيث هي فكرة، انطوت على نقيضها، حتى الآن، ولكن"الفكرة"في الطبيعة، تسعى من جديد لتكسب الوحدة، بعد أن افتقدتها في تفرق الكائنات فيها، وتسعى لتحصيلها وتحقيقها، وتحصيلها هو"العقل المجرد"، والعقل المجرد هو نهاية الطبيعة وغايتها، وهو عندئذ جامع الدعوى ومقابل الدعوى!" [28] ."
وهذا نموذج كذلك من"المثالية"التي ضاقت بها"الوضعية"في أوربا، وحق لها أن تضيق! وهي هكذا تتعامل مع تصورات عقلية مجردة، ومع مصطلحات لا رصيد لها من الواقع ولا علاقة لها بالإنسان الواقعي ولا بالحياة الواقعية!