الصفحة 40 من 114

ولكن السادة الوضعيين حين كفروا بغله الكنيسة، ثم كفروا بإله"العقل"، لم إلى ما هو أهدى، لقد أقاموا من الطبيعة إلها ... ولكن ما هي هذه الطبيعة؟ ما هي هذه الطبيعة التي"خلقت"العقل، والتي كما يقولون:"تنقش الحقيقة في العقل"؟ أهي كائن محدد؟ أهي ذات كلية؟ أم هي هذه"الأشياء"المتفرقة من أجرام وأشكال وحركات وهيئات؟ أهي شيء له حقيقة مستقلة عن تصور العقل الإنساني لها؟ أم هي الصورة التي تنطبع في العقل عن المحسوسات التي يدركها؟ أم هي شيء له حقيقة في ذاته، وما ينطبع منها في العقل قد يطابق حقيقتها وقد لا يطابقها؟

وإذا كانت هذه الطبيعة هي التي"خلقت"العقل البشري، فهل هي"خالق"له إيجابية"الخلق"من العدم؟ ولماذا إذن خلقت العقل في الإنسان ولم تخلقه في الحيوان؟ أو في النبات؟ أهي ذات إرادة مميزة مختارة؟ تختار كائنًا بعينه من الكائنات لتمنحه هذه المنحة الفريدة؟

أما إذا كانت حقيقتها لا تتجلى إلا في الفكر البشري، أفلا يكون ظهور هذه الحقيقة إذن متوقفًا على وجود العقل البشري؟ فكيف تكون هذه الطبيعة"خالقة"له، بينما هي لا تظهر إلا فيه؟!

ثم إن هؤلاء السادة يحيلوننا على معمى لا ضابط له ولا حدود ... وهم يشيرون إلى الطبيعة!

فما الطبيعة؟ أهي مادة هذا الكون؟ وما هي ماهية هذه المادة؟ إن ما كانوا يسمونه"المادة"ويحسبونه شيئًا ثابتًا قد تبين لهم هم أنفسهم أنهم لا يستطيعون تحديد ماهيته، إن المادة تنحل فإذا هي إشعاع، فهل الإشعاع هو الطبيعة، وهو المادة؟ أم إن المادة - والطبيعة كذلك - هي الصورة التي يتجسم فيها هذا الإشعاع؟ إنه لا يثبت على حال هذا الإله! فبينما هو متجسم إذا هو منطلق، وبينما هو منطلق إذا هو متجسم! ففي أي حالة من حالاته يا ترى تكون له القوة الخالقة للعقل البشري؟ وهل هو الذي يخلق كذلك صورة نفسه المتوالية المتحركة أبدًا؟ من إشعاع إلى ذرات، ومن ذرات إلى كتل ... ومن كتل إلى ذرات، ومن ذرات إلى إشعاع! - ودع عنك الحياة والخلية الحية والحياة المترقية! - متى يكون لهذا الإله قوة الخلق؟ في أي حالاته؟ ومن الذي خلق الإنسان الذي تخلق الطبيعة عقله؟ أهي خلقته ابتداء؟ أم اكتفت بأن تخلق عقله بعد وجوده؟!

وإذا كانت الطبيعة هي التي"تنقش الحقيقة في العقل الإنساني"... فلماذا العقل الإنساني بالذات؟ أليست تنطق وتسمعها كل الكائنات الحية؟ فهل يا ترى تنقش هذه الحقيقة كذلك في عقول البغال والحمير والببغاوات والقرود أم لا تنقشها؟ وهل الحقيقة التي نقشتها في عقل الببغاء أو عقل القرد هي ذاتها التي نقشتها في عقل"أوجست كومت"أو عقل كارل ماركس؟!

وإذا كانت الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في العقل الإنساني فما هي الحقيقة الصحيحة؟ هل كانت هذه الحقيقة والعقل يجزم بأن الأرض مركز الكون؟ أم وهو يجزم بأنها ليست سوى تابع صغير من توابع الشمس؟ هل كانت والعقل يجزم بأن المادة هي هذه الأشياء الصلبة المحسة؟ أم وهو يجزم بأن المادة ليست سوى طاقة متجمعة، في صور متحولة؟ هل كانت والعقل يجزم بأن الطبيعة ليست شيئًا سوى"عمل العقل"؟ أم هو يجزم بأن العقل ليس شيئًا سوى انطباع المادة؟

أيّ هذه المقررات العقلية كانت هي الحقيقة التي نقشتها الطبيعة في العقل البشري؟ تراها تخطئ في النقش؟ أم أن العقل نفسه هوا لذي يشوه النقش؟ وهل له إذن فاعلية ذاتية وشخصية مستقلة؟ في حين يقول السادة الوضعيون: إنه ليس شيئًا آخر سوى ما تنقشه هذه الطبيعة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت