وندع الحياة ونشأتها وأسرارها - كما قلنا - إلى موضع مناقشة هذا السر في التصور الإسلامي والتصورات الأخرى ... ندع الحياة وأسرارها فلا نناقشها هنا ونسأل: أي إله هذا الذي يقدمه لنا السادة الماديون؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا منه شيئًا"مضبوطًا"فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به، وهو هباء لا يثبت على اللمس، ولا يثبت على الرؤية، ولا يثبت على النظر العقلي أيضًا؟ نحن - والحمد لله - لسنا هاربين من الكنيسة؟!
أما هذا المسخ الذي يثير الاشمئزاز في تصور كارل ماركس وانجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذي تتحرك فيه، وحصرها في حجر"الاقتصاد"فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادي نفسه، وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة، يبدو فيها كلها كأنما هي تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص: فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير، ولمثل هذا الشعور الذي لا تروعه عظمة هذا الكون ذاته، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية ... فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة، ولكل هذه الروعة، ليخنس في حجر الاقتصاد، والآلة والإنتاج - لا بوصفها غاية للإنسان ومحركًا فحسب - ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى، والإله الخالق، والرب المتصرف، المصرّف لهذه الحياة!
ولكنا نعود بعد ذلك كله فنذكر أن هذا البلاء كله - من مبدئه إلى نهايته - إنما جاء ثمرة طبيعية لانحراف الكنيسة والمجامع بالتصور الرباني، ومحاولة الفكر الأوربي أن يأبق من وجه الكنيسة وإلهها الذي تستطيل به! فنحمد الله أن ظل التصور الإسلامي"الرباني"محفوظًا! وإن لم تقم عليه كنيسة! وإن لم يقع بينه وبين العقل البشري والعلم البشري ذلك الصدام، الذي قادم الفكر الأوروبي إلى هذا التيه وهذا الركام!
ونذكر أن التصور الإسلامي يدع العقل البشري وللعلم البشري ميدانه واسعًا كاملًا - فيما وراء أصل التصور ومقوّماته - ولا يقف دون العقل يصده عن البحث في الكون، بل هو يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعًا، ولا يقف دون العلم البشري في المجال الكوني، بل هو يكل أمر الخلافة كله - في حدود التصور الرباني - للعقل البشري وللعلم البشري ... وندرك مقدار نعمة الله ومقدار رحمته في تفضله علينا بهذا التصور الرباني، وفي إبقائه وحفظه على أصله الرباني ...
[14] يراجع بتوسع فصل:"تربية العقل"في كتاب:"منهج التربية الإسلامية"، لمحمد قطب.
[15] وكذلك أخطأ أرسطو وأخطأ أفلوطين وغيرهما حينما أرادوا ان يبينوا كيفية تعلق عمل الخالق بالمخلوقات، لأنهم قاسوه بما يعرفونه من كيفية تعلق عمل الإنسان بما يعمله ... والله ليس كمثله شيء ...
[16] يراجع بتوسع فصل"تربية العقل"في كتاب"منهج التربية الإسلامية"لمحمد قطب.
[17] الإنسان ذلك المجهول: تأليف دكتور ألكسيس كاريل وترجمة شفيق أسعد فريد: ص6 - 18.
[18] بذلت أخيرًا محاولات في هذا الحقل، ولكن المدى لا يزال بعيدًا جدًا، رغم الأخبار التي تذاع بقصد الدعاية من مراكز الدعاية للمذاهب المادية!
[19] المصدر السابق ص18 - 23.
[20] يراجع بتوسع كتاب،"الإسلام ومشكلات الحضارة"للمؤلف.
[21] خبيرًا.
[22] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص68.
[23] ولقد رأينا فيما اقتبسناه من الدكتور ألكسيس كاريل مدى معرفة العقل الحقيقية بالإنسان، لا في القرن الثامن عشر، بل في القرن العشرين أيضًا.