وهو - من ثم - شامل متوازن منظور فيه إلى كل جوانب الكينونة البشرية أولًا، ومنظور فيه إلى توازن هذه الجوانب وتناسقها أخيرًا، ومنظور فيه كذلك إلى جميع أطوار الجنس البشري، وإلى توازن هذه الأطوار جميعًا، بما أن صانعه هو صانع هذا الإنسان ... الذي خلق، والذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير، فليس أمامه سبحانه مجهول بعيد عن آفاق النظر من حياة هذا الجنس، ومن كل الملابسات التي تحيط بهذه الحياة ... ومن ثم فقد وضع له التصور الصحيح، الشامل لكل جوانب كينونته، ولكل أطوار حياته ... المتوازن مع كل جوانب كينونته ومع كل أطوار حياته، الواقعي المتناسق مع كينونته ومع كل ظروف حياته.
وهو - من ثم - الميزان الوحيد الذي يرجع إليه الإنسان في كل مكان وفي كل زمان، بتصوراته وقيمه، ومناهجه ونظمهن وأوضاعه وأحواله، وأخلاقه وأعماله ... ليعلم أين هو من الحق، وأين هو من الله، وليس هنالك ميزان آخر يرجع إليه، وليس هنالك مقررات سابقة ولا مقررات لاحقة يرجع إليها في هذا الشأن ... إنما هو يتلقى قيمه وموازينه من هذا التصور، ويكيّف بها عقله وقلبه، ويطبع بها شعوره وسلوكه، ويرجع في كل أمر يعرض له إلى ذلك الميزان: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلًا} [النساء: 59] .
وفي خاصية التصور الإسلامي الأساسية - التي تحدد طبيعته - وفي سائر الخصائص التي تنبثق منها ... يرى بوضوح تفرد هذا التصور، وتميز ملامحه، ووضوح شخصيته بحيث يصبح من الخطأ المنهجي الأصيل محاولة استعارة أي ميزان، أو أي منهج من مناهج التفكير المتداولة في الأرض - في عالم البشر - للتعامل بها مع هذا التصور الخاص المستقل الأصيل، أو الاقتباس منها والإضافة إلى ذلك التصور الرباني الكامل الشامل.
وسنرى هذا بوضوح كلما تقدمنا في هذا البحث، فنكتفي الآن بتقرير هذه القاعدة التي لا بد من مراعاتها جيدًا في كل بحث إسلامي، في أي قطاع من قطاعات الفكر الإسلامية أو المنهج الإسلامي ... فهذا هو مفرق الطريق ...
والآن فلننظر في هذه الخاصية الأساسية، وفي الخصائص التي تنبثق منها، بشيء من البيان والتفصيل ...