{وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه، قال: من يحي العظام وهي رميم؟ قل: يحيها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم} [يس: 78، 79] .
{أم من خلق السماوات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها! أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون! أم من جعل الأرض قرارًا، وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا؟ أإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون! أم من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلًا ما تذكّرون! أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ ومن يرسل الرياح بُشرًا بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون! أم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع الله؟ قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 60 - 64] .
{ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين، ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون، ومن آياته يريكم البرق خوفًا وطمعًا، وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} [الروم: 20 - 25] .
وهكذا وهكذا من الحجج الملزمة، والآيات المعروضة في الأنفس والآفاق، وهي معروضة للنظر والتدبر، كما أنها معروضة للبرهنة والحجة ... والإدراك البشري مطلق للنظر فيها، والتلقي عنها، ومناقشة حجيتها على القضايا المسوقة لإثباتها ... وكلها في دائرة النظر، وفي مستوى الإدراك.
وهكذا تجد الفطرة البشرية في التصور الإسلامي ما يلبي أشواقها كلها؛ من معلوم ومجهول، ومن غيب لا تحيط به الأفهام ولا تراه الأبصار، ومكشوف تجول فيه العقول وتتدبره القلوب، ومن مجال أوسع من إدراكها تستشعر إزاءه جلال الخالق الكبير، ومجال يعمل فيه إدراكها وتستشعر إزاءه قيمة الإنسان في الكون وكرامته على الله.
وتتوازن الكينونة الإنسانية بهذا وذلك، وهي تؤمن بالمجهول الكبير، وهي تتدبر المعلوم الكبير ...
والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية ... فالمشيئة الإلهية طليقة، لا يرد عليها قيد ما، مما يخطر على الفكر البشري جملة، وهي تبدع كل شيء بمجرد توجهها إلى إبداعه، وليست هنالك قاعدة ملزمة، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية، حين تريد أن تفعل ما تريد ...
{إنما قولنا لشيء - إذا أردناه - أن نقول له: كن، فيكون} [النحل: 40] .
{قال: رب أنّى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ قال: كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] .
{قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن، فيكون} [آل عمران: 47] .
{وامرأته قائمة فضحكت، فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا؟ إن هذا لشيء عجيب! قالوا: أتعجبين من أمر الله؟} [هود: 71 - 73] .
{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، الحق من ربك، فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 59 - 60] .