"فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة أو"الهيولي"، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي، وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بقدر ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي."
فالهيولي مقاومة للعقل المجرد، وليست موجدة بمشيئته من العدم" [45] ."
"وأفلوطين - في الأفلاطونية الحديثة - يجعل المادة في الدرك نفسه، فالواحد الحد خلق العقل، والعقل خلق الروح، والروح خلقت ما دونها من الموجودات، على الترتيب الذي ينحدر طورًا دون طور إلى عالم الهيولي، أو عالم المادة والفساد" [46] .
والنصرانية - كما صنعتها الكنيسة - اعتبرت الشر كله ممثلًا في عالم الجسد - أي عالم المادة - الخير كله ممثلًا في عالم الروح، ومن ثم اقتضى الأمر احتقار كل ما هو مادي، والهرب منه للنجاة من الشر والفساد ... وكذلك فعلت الهندوكية من قبل في مذهب براهما ...
وبينما عالم المادة ينبذ هذا النبذ في بعض الفلسفات والمعتقدات، يقوم في القرن التاسع عشر، من يجعل من"الطبيعة"إلهًا، ويجعل من العقل البشري مخلوقًا من مخلوقات هذا الإله! كما فعل"كومت"و"نيتشه"من زعماء المذهب الوضعي، ومن يجعل جانبًا من عالم المادة - وهو الاقتصاد - إلها، يخلق العقول والأديان والفلسفات والآداب والأخلاق ... كما فعل كارل ماركس! ويحط من قيمة الإنسان تجاه هذا الإله، فيجعله عاملًا سلبيًا لا يقدم ولا يؤخر، وإنما يتلقى فقط ويتأثر!
بين هذه الشخصيات المتأرجحة، وبين هذا الغلو من هنا ومن هناك يقف التصور الإسلامي على قاعدة الحقيقة المستقرة الثابتة ... الله هو الخالق المبدع المهيمن المدبر ... والكون والإنسان من إبداع الله، وبينهما من التفاعل، وبينهما من التناسق، ما يجعل لكل منهما دورًا في حياة الآخر ... والإنسان هو الأكرم، وهو الأكثر فاعلية وإيجابية، وهو المسلط على المادة، يبدع فيها وينشئ، ويغيّر فيها ويطوّر، ويظهر من أسرارها ما أودعه الله، ويتلقى من هذه الأسرار ما يؤدي إلى العظة والاعتبار.
وتكريم الوجود الإنساني - مع عدم احتقار الوجود الكوني - يكفل لهذا الإنسان مقامه وكرامته، ويجعل حياته ومقوّماته أكرم من أن تمسّ في سبيل توفير أية قيمة مادية أخرى، وذلك مع عدم الإخلال بالقيم المادية وبالإبداع في عالم المادة.
وهناك ألوان شتى من هذا التوازن في التصور الإسلامي، لا نملك تتبعها وعرضها هنا بالتفصيل - ولا حتى مجرد الإشارة - إنما نحن نثبت هذه النماذج، لتكون هي الإشارة التي يتبعها الناظر في هذا المنهج، إلى نهاية الطريق [47] .
[42] راجع خاصية"الربانية".
[43] تراجع خاصية"الربانية".
[44] يراجع كتاب"مشاهد القيامة".
[45] عن كتاب"الله"للأستاذ العقاد ص137.
[46] المصدر السابق ص188.
[47] يراجع فصل"خطوط متقابلة"في كتاب"منهج التربية الإسلامية"، لمحمد قطب.