الصفحة 81 من 114

وفي التوجيه إلى استخدام العقل للمعرفة، إما بتدبر آيات الله في الكون، وإما بتدبر حقائق الوحي وحقائق الحياة، نجد كذلك في القرآن نصوصًا شتى: {قل: إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا، ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم، بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] ، {أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} [النساء: 82] ، {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟ أو آذان يسمعونه بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] ، {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك!} [آل عمران: 190 - 191] ، {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} [النحل: 78] .

وهكذا تتوازن هذه المصادر ... كل بحسبه ... وتتناسق في إمداد الكائن الإنساني بالمعرفة، ويتوازن التصور الإسلامي، فلا يشط ولا يضطرب ولا يتأرجح بين هذه المصادر، ولا يؤلّه ما ليس منها بإله!

ومما يلاحظ بوضوح في منهج التربية القرآني كثرة توجيه الإدراك البشري إلى ما في الكون، وما في الأنفس، من أمارات وآيات، وتوجيه هذا الإدراك إلى مصاحبة صنعة الله في الأنفس والآفاق، ذلك أن هذه المصاحبة - فوق أنها تنبه الإدراك البشري إلى معرفة الصانع من صنعته، وإجلاله بإدراك عظمته من عظمة صنعه، وحبه بإدراك عظمة أنعمه - فهي في الوقت ذاته تطبع الإدراك الإنساني بخصائص تلك الصنعة: من دقة وتناسق وانتظام، لا خلل فيه ولا تصادم ولا تفاوت، كما تطبعه بموحياتها كذلك من سنن وحقائق ومقررات ... وليس بالقليل مثلًا ان ينطبع في حس الإنسان وشعوره من متابعة التغير المستمر في أحوال هذا الكون، وفي أحوال البشر، وفي أحوال النفس، أن الدوام لله وحده، الذي يغير ولا يتغير، وأن كل شيء حائل أو زائل، إلا الحي الذي لا يموت، الصمد الثابت المقصود ... وليس بالقليل مثلًا أن ينطبع في حس الإنسان وشعوره من ملاحظة ثبات السنن التي تحكم ذلك التغير، وثبات الناموس الذي يتم به التبدل والتحور، أن الأمور لا تمضي جزافًا، وأن الحياة لم توجد سدى، وأن الإنسان غير متروك لقى، وإنما هو التدبير والتقدير، والابتلاء والجزاء، والعدل الصارم الدقيق في تقدير المصير ...

وهكذا ... وهكذا ... مما سنذكر منه الكثير ...

ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر، والظاهرة في الكون والمكنونة في النفس، لتلقي المعرفة من كتاب الله المفتوح، كتلقي المعرفة من كتاب الله المقروء، في تناسق وتوازن، يجمع ين مصادر المعرفة كلها، في غير تصادم ولا تعارض، وفي غير تأليه ولا تحقير، وفي غير خصومات صغيرة، كتلك الخصومات التي رأينا أمثلة منها في تاريخ الفكر الغربي الصغير!

ومن ثم لا يقتضي قيام الوحي - كمصدر أساسي للمعرفة - إلغاء الإدراك البشري، كما لا يقتضي وجود الكون إلغاء هذا العقل، أو إلغاء الله - جل وعلا وتنزه عن التصورات المطموسة البائسة، التي يتعبد لها الغربيون! وعبيد الغربيين!

والتوازن بين فاعلية"الإنسان"وفاعلية الكون، وبين مقام الإنسان ومقام الكون، وقد سلم التصور الإسلامي في هذه النقطة من جميع الأرجحات، وجميع التقلبات التي صاحبت الفكر البشري، كلما انحرف عن منهج الله.

وتتضح استقامة التصور الإسلامي تجاه الكون والإنسان، حين يراجع ركام الفلسفات والتصورات والمعتقدات المختلفة.

لقد كان أفلاطون يضع المادة في الدرك الأسفل من القيمة والاعتبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت