{فلينظر الإنسان إلى طعامه: أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونًا ونخلا، وحدائق غلبًا، وفاكهة وأبا ... متاعًا لكم ولأنعامكم} [عبس: 24 - 32] .
{والله أنزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون، وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم، لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون، وأوحى ربك إلى لانحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذللا، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل: 65 - 69] .
{والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكنانًا، وجعل لكم سرابيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 80 - 81] .
وأمثال هذه النصوص كثير، سنفصل الحديث عنه عند الكلام عن حقيقة الكون وحقيقة الإنسان في التصور الإسلامي ...
والمهم الآن أن نقول: إن الإسلام بناء على تقريره أن هناك اتفاقًا وتناسقًا بين الكون والإنسان، جعل الكون وجعل الحياة والأحياء من بين مصادر المعرفة لهذا الإنسان - أو عن كتاب الكون المفتوح - وعن الإنسان ذاته، فهو مصدر من مصادر التأمل والمعرفة لذاته!
فنجد في التوجيه إلى المصدر الأول الأصيل الصادق، المهيمن على كل مصادر المعرفة الأخرى ... أمثال هذه النصوص؛ {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] ، {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] ، {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون، نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: 2 - 3] ، {وقلنا اهبطوا منها جميعًا، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفورا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 38 - 39] ، {وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} [البقرة: 93] .
ثم نجد في التوجيه إلى التلقي والمعرفة من كتاب الكون المفتوح، ومن كتاب النفس المكنون، الشيء الكثير ... الكثير؛ {وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟} [الذاريات: 20 - 21] ، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] ، {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت؟ وإلى الأرض كيف سطحت؟ فذكر إنما أنت مذكر} [الغاشية: 17 - 21] ، {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [النحل: 79] ، {إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريح بالرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] .