الصفحة 79 من 114

وقد رأينا في مطلع هذا البحث كيف تقلبت التصورات في أوربة، بين اتخاذ النص - أو الوحي - - وحده - مصدرًا للمعرفة، واتخاذ العقل - وحده - مصدرًا، واتخاذ الطبيعة - وحدها - مصدرًا كذلك! وتعسف كل فريق في"تأليه"مصدره، ونفي المصادر الأخرى إطلاقًا، وإلغاء وجودها إلغاء!

فأما الإسلام في شموله، وفي توازنه، وفي اعتباره لجميع"الحقائق"الواقعة، دون تعسف، ودون هوى، ودون شهوة، ودون غرض، ودون جهل، ودون قصور ...

أما الإسلام - في طمأنينته إلى الحق، الكامل الشامل - فلم يغفل مصدرًا واحدًا من مصادر المعرفة لم يعطه اعتباره، ولم يضعه في مكانه الذي يستحقه، ودرجته التي هي له في الحقيقة، في دقة وتوازن وطمأنينة.

فالإسلام - كما سبق - يرد الأمر كله ابتداء إلى الله وإرادته وتدبيره، يرد الخلق كله إلى إرادة الله الواحد - ومن الخلق هذا الكون وما فيه، وهذا الإنسان وعقله ومداركه - ومن ثم لا يجد تناقضًا في أن يكون للكون - أو للطبيعة كما يسميها الغربيون - وأن يكون للحياة وأوضاعها - وفيها الاقتصاد إله كارل ماركس - دور في إمداد"الإنسان"بالمعرفة عن طريق"العقل"وسائر المدارك المودعة فيه باعتبار الجميع من صنع الله ... فهي من عنده، كما أن الوحي من عنده كذلك.

نعم إن الإسلام يعتبر مصدر الوحي هو المصدر الصادق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخضع للهوى، ولا يتأثر بهن ومن ثم فهو أعلى المصادر، ولكنه في الوقت ذاته لا يلغي العقل - عندئذ - ولا يلغي المؤثرات والمعارف التي تتلقاها الكينونة الإنسانية كلها، مما حولها في الكون ... فالكون كذلك كتاب الله المفتوح الذي يصب المعرفة في الكينونة الإنسانية - كما يصبها الوحي - مع فارق واحد: هو أن المعرفة التي يتلقاها الإنسان بمداركه من هذا الكون، قابلة للخطأ والصواب - بما أنها من عمل الإنسان - أما ما يتلقاه من الوحي فهو الحق اليقين ...

لقد خلق الله هذا الإنسان متوافقًا في فطرته وتكوينه مع هذا الكون، ومع سائر الأحياء، فكلهم من خلق الله، وكلهم يتلقى من الله، وكلهم يتمتع بهداه، {قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] ، {سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى} [الأعلى: 1 - 3] ، {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [الذاريات: 49] ، {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} [الأنعام: 38] ، {الذي جعل لكم الأرض مهدًا، وسلك لكم فيها سبلا} [طه: 53] ، {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] ، {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36] ، {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا} [الشورى: 11] .

وفي التوافق والتناسق والتعاون بين خلق الله جميعًا - وفيهم الإنسان - ترد نصوص قرآنية كثيرة، ذات إيحاء قوي بالوحدة والتضامن والتناسق في طبيعة التكوين وفي الاتجاه العام، نذكر منها القليل ...

{ألم نجعل الأرض مهادًا؟ والجبال أوتادًا؟ وخلقناكم أزواجًا وجعلنا نومكم سباتًا، وجعلنا الليل لباسًا، وجعلنا النهار معاشًا، وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا، وجعلنا سراجًا وهاجًا، وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجًا، لنخرج به حبًا ونباتًا، وجنات ألفافًا} [النبأ: 166] .

{أأنتم أشد خلقًا أم السماء: بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعًا لكم ولأنعامكم} [النازعات: 27 - 33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت