الصفحة 78 من 114

ويقرأ المسلم في كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب، ويزلزل الفرائص، ويهز الكيان، من مثل قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وانه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] ، {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] ، {ولقد خلقنا الإنسان ونعم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] ، {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} [البقرة: 235] ، {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196] ، {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم عن كيدي متين} [القلم: 44 - 45] ، {إن بطش ربك لشديد} [البروج: 12] ، {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] ، {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] ، {ذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلًا، إن لدينا أنكالًا وجحيمًا، وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا، يوم ترجف الأرض والجبال، وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا} [المزمل: 11 - 14] .

وصور العذاب في مشاهد القيامة رعيبة، رعيبة [44] .

ويقرأ المسلم كذلك من صفات ربه، ما يملأ قلبه طمأنينة وراحة، وروحه أنسًا وقربًا، ونفسه رجاء وأملا، من مثل قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان} [البقرة: 186] ، {أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟} [النمل: 62] ، {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا، والله واسع عليم} [البقرة: 268] ، {وما كان الله ليضيع إيمانكم: إن الله بالناس لرؤوف رحيم} [البقرة: 143] ، {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا} [النساء: 28] ، {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرًا عليمًا} [النساء: 147] ، {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًّا} [مريم: 96] ، {وهو الغفور الودود} [البروج: 14] ، {الله رؤوف بالعباد} [البقرة: 207] ، {ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ماكثين فيه أبدًا} [الكهف: 2 - 3] .

وصور النعيم في مشاهد القيامة رخية رخية!

ومن هذا وذاك يقع التوازن في الضمير بين الخوف والطمع، والرهبة والأنس، والفزع والطمأنينة ... ويسير الإنسان في حياته، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطو، مفتوح العين، حي القلب، موصول الأمل، حذرًا من المزالق، صاعدًا أبدًا إلى الأفق الوضئ، لا يستهتر ولا يستهين، ولا يغفل ولا ينسى، وهو في الوقت ذاته شاعر برعاية الله وعونه، ورحمة الله وفضله، وأن الله لا يريد به السوء، ولا يود له العنت، ولا يوقعه في الخطيئة ليتشفى بالانتقام منه ... تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وحين توازن بين هذا التصور الإغريق لكبير آلهتهمن القاسي الحسود الشهوان العربيد، المضطغن الحقود، أو تصور الإسرائيليين المنحرف لإلهتهم الغيور المتعصب، البطاش المتهور، أو تصور أرسطو لإلهة المترفع الذي لا يعني نفسه بأمر الخلق على الإطلاق، ولا يفكر إلا في ذاته، لأنه أشرف الذوات، ولا يليق بالإله أن يكفر إلا في أشرف ذات! أو تصور الماديين لإلههم"الطبيعة"الصماء العمياء الخرساء! عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن في التصور الإسلامي، وأثره الواقعي في حياة البشر، وأثره كذلك في منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملي - وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في الفصل التالي عن خاصية؛ الإيجابية -

والتوازن بين مصادر المعرفة: من وراء الغيب المحجوب، ومن صفحة الكون المشهود، أو بتعبير آخر: من الوحي والنص، ومن الكون والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت