{إذ قال الله يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 116 - 118] .
{لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا} [النساء: 172] .
كذلك لا حاجة إلى تصغير الله - سبحانه وتعالى - كلما أريد تعظيم الإنسان، وإعلان رفعة مقامه في هذه الأرض، وسيطرته وفاعليته، وكلما فتح الله للإنسان فتحًا في أسرار المادة، وكلما سخر له طاقة من طاقات الكون!
إن الله سبحانه والإنسان ليسا كفوين ولا ندين! ولا متصارعين! ولا يرجح أحدهما ليشيل الآخر! ولا يغلب أحدهما ليهزم الآخر!
لقد تركت الأساطير الإغريقية، والأساطير العبرية، هذا التصور القبيح التافه في أذهان الأوروبيين، فظل يسيطر على تصوراتهم، حتى بعد ما دخلوا في المسيحية!
الأسطورة الإغريقية التي تصور كبير الآلهة"زيوس"غاضبًا على الإله"برومثيوس"لأنه سرق سر النار المقدسة - سر المعرفة - وأعطاه للإنسان، وراء ظهر كبير الآلهة، الذي لم يكن يريد للإنسان أن يعرف، لئلا يرتفع مقامه فيهبط مقام كبير الآلهة، ويهبط معه مقام"الآلهة"! ومن ثم أسلمه إلى أفظع انتقام وحشى رعيب!
والأسطورة العبرانية التي تصور الإله خائفًا من أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة، - بعد ما أكل من شجرة المعرفة - فيصبح كواحد من الآلهة! ومن ثم يطرد الإنسان من الجنة، ويقيم دونه شجرة الحياة حراسًا شدادًا ولهيب سيف متقلب!
والأسطورة التي أطلقها"نيتشه"وهو يتخبط تخبط الصرع في كتابه"هكذا قال زرادشت"ليعلن"موت الإله"ومولد الإنسان الأعلى - السوبرمان! - {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا} ...
إن الإنسان - في الإسلام - يأخذ مكانه الحقيقي دائمًا في هدوء، وفي هوادة، وفي طمأنينة ... إنه عبد الله، وإنه بهذه العبودية أكرم خلق الله، وهو في مقام العبودية في أرفع مقام، وفي أسعد مقام، وفي أصلح مقام.
ويبقى أن نأخذ - من هذه الخاصية - أن التصورات الأوربية التي كمنت فيها تلك التصورات الأسطورية المختلفة، ودخلت في صميمها، بل دخلت في مناهج تفكيرها ... أن هذه التصورات الأوربية، وما قام عليها من مناهج التفكير، وما نتج منها من مذاهب وأفكار ... كلها تصطدم - اصطدامًا ظاهرًا أو خفيًا - مع التصور الإسلامي، ومناهج الفكر الإسلامية، وأن أي استعارة من تلك التصورات، أو مناهج التفكير، أو نتاجها من المذاهب والأفكار، تحمل في صميمها عداء طبيعيًا للتصور الإسلامي، وللفكر الإسلامي، ولا تصلح بتاتًا للاقتباس منها أو الاستعانة بها ... بل هي كالسم الذي يتلف الأنسجة، ويؤذي الأعضاء، ويقتل في النهاية إذا كثر المقدار!
والتوازن في علاقة العبد بربه، بين موحيات الخوف والرهبة والاستهوال، وموحيات الأمن والطمأنينة والأنس ... فصفات الله الفاعلة في الكون، وفي حياة الناس والأحياء، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك، في توازن تام.