الصفحة 76 من 114

ولكن الإنسان - بعبوديته هذه لله - كريم على الله، فيه نفخة من روح الله، مكرم في الكون، حتى ليأمر الله الملائكة - وهم عباده المقربون - أن يسجدوا له سجود التكريم، {وإذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 28 - 30] .

وهو مستخلف في هذه الأرض، مسلط على كل ما فيها، مسخر له الأرض وما فيها ومحسوب حسابه في تصميم هذا الكون قبل أن يكون ...

{وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون، وعلّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك! لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟} [البقرة: 30 - 33] .

{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاُ منه} [الجاثية: 13] .

{وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارًا وسبلًا لعلكم تهتدون} [النحل: 15] .

{ألم تر ان الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم} [الحج: 65] .

والإنسان - كما أسلفنا - يكون في أرفع مقاماته، وفي خير حالاته، حين يحقق مقام العبودية لله، إذ أنه - في هذه الحالة - يكون في أقوم حالات فطرته، وأحسن حالات كماله، وأصدق حالات وجوده.

ومقام العبودية لله هو الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي ومقام الإسراء والمعراج - كما ذكرنا من قبل - وهو الذي جعله الله غاية الوجود الإنساني وهو يقول: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .

كما أن قيام الناس في هذا المقام، هو الذي يعصمهم جميعًا من عبودية العبيد للعبيد، وهو الذي يحفظ لهم كراماتهم جميعًا، على اختلاف مراكزهم الدنيوية، وهو الذي يرفع جباههم فلا تنحني إلا لله، وهو الذي يكفيهم - في الوقت ذاته - عن الاستكبار في الأرض بغير الحق، والعلو فيها والفساد، ويستجيش في قلوبهم التقوى للمولى الواحد، الذي يتساوى أمامه العبيد، ويرفض أن يدعى أحد العبيد لنفسه خصائص الألوهية، فيشرع للناس في شؤون حياتهم بغير سلطان من الله، ويجعل ذاته مصدر السلطان، وإرادته شريعة لبني الإنسان!

ومن ثم فإنه لا تعارض - في التصور الإسلامي - بين رفعة الإنسان وعظمته وكرامته وفاعليته، وبين عبوديته لله سبحانه وتفرد الله بالألوهية وبخصائصها جميعًا.

ولا حاجة إذن - عندما يراد رفع الإنسان وتكريمه - أن تخلع عنه عبوديته لله، أو تضاف إلى ناسوتيته لاهوتية ليست له، كما احتاج رؤساء الكنيسة والمجامع المقدسة أن يفعلوا، ليعظموا عيسى عليه السلام ويكبِّروه!

{ولقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه؟ والله غفور رحيم، ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقه، كانا يأكلان الطعام، انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون} [المائدة: 72 - 75] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت