وما كان الله سبحانه ليكلفه شيئًا يعلم أن لا طاقة له به، أو أنه ممنوع بمانع قهري عن النهوض به، وما كان الله سبحانه لينهاه عن شيء، يعلم أن لا طاقة له بالامتناع عنه، أو أنه مدفوع بدافع قهري لا يقاوم لإتيانه! {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] ، {وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون؟ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف: 28 - 29] .
وما يؤمن بالله من لا يؤمن بأن الله لا يكلفه بشيء فوق طاقته، ولا ينهاه عن شيء ليس في مقدوره الانتهاء عنه ... وفي هذه الكفاية.
بهذا يتم التوازن في الاعتقاد والشعور، كما يتم التوازن في النشاط والحركة، فيثير التصور الإسلامي في الضمير الرغبة في الخير والاستقامة، وفي الحركة والفاعلية، مع الاستعانة بالله الذي بيده كل شيء.
وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلبية، والإحالة على مشيئة الله في المعصية، أو الشلل والجمود والسلب ... وقد علم أن الله لا يرضى لعباده الكفر، وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد، ولا أن يترك الحق بلا نصرة، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة، وقد علم أن الإنسان في هذه الدنيا للابتلاء بالخير والشر، وللامتحان في كل حركة وكل حالة، وأنه مجزي على الحسنة وعلى السيئة في دار الحساب والجزاء ... وأنه كذلك مستخلف في هذه الأرض، وأن له مكانه في هذا الكون، وله دوره في ما يقع في هذه الأرض من تغيير وتطوير، وأنه إما ناهض بهذه الخلافة - وفق منهج الله - فمثاب، وإما ناكل التبعة فمعاقب، ولو كان النكول خوفًا من التبعة، وفرارًا من الابتلاء!
والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون ... وقد سلم التصور الإسلامي في هذا الصدد من كل الهزات والأرجحات التي تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات ... ما بين تأليه الإنسان في صوره الكثيرة، وتحقير الإنسان إلى حد الزراية والمهانة.
إن الإسلام يبدأ فيفصل فصلًا تامًا كاملًا بين حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، وبين مقام الألوهية ومقام العبودية، وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية، بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم الجازم ...
الله {ليس كمثله شيء} ... فلا يشاركه أحد في ماهية أو حقيقة.
والله {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ... فلا يشاركه أحد في وجود.
و {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ... فلا يشاركه أحد في بقاء.
والله {لا يسال عما يفعل وهم يسألون} ... فلا يشاركه أحد في سلطان.
و {خالق كل شيء} ... فلا يشاركه أحد في خلق.
و {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ... فلا يشاركه أحد في رزق.
و {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ... فلا يشاركه أحد في علم.
{ولم يكن له كفوًا أحد} ... فلا يشاركه أحد في مقام.
{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟} ... فلا يشاركه أحد في التشريع للناس ... وهكذا في كل خاصية من خصائص الألوهية.
والإنسان عبد لله ككل مخلوق في هذا الوجود.
عبد لا يشارك الله في حقيقة ولا خاصية ... وليس كما تقول الكنيسة عن المسح عليه السلام إن له طبيعة لاهوتية صافية، أو لاهوتية ناسوتية، على اختلاف المذاهب والتصورات.
{إن هو إلا عبد انعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل} [الزخرف: 59] ، {لن يستنكف المسح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون} [النساء: 172] ، {إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمان عبدًا} [مريم: 93] .