الصفحة 74 من 114

{قال: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض، ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين، قال: هذا صراط عليّ مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 39 - 42] ، {قال: اهبطا منها جميعًا: بعضكم لبعض عدو، فأما يأتينكم مني هدى، فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى} [طه: 123 - 126] ، {وقال الشيطان لما قضى الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} [إبراهيم: 22] ، {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ... إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 98 - 100] ، {إن كيد الشيطان كان ضعيفًا} [النساء: 76] .

ثم إنه يبقى بعد ذلك أنه إذا كان الله سبحانه هو الذي يخلق كل إنسان، باستعدادات معينة، هي التي تجعله يميل إلى الخير والهدى، أو يميل إلى الشر والضلال، فكيف يعذب الله الشرير الضال، ويكافئ الخيّر المهتدي، في الدنيا أو في الآخرة سواء؟

وهو سؤال خادع - في صورته هذه - يقابله ويصححه ما يقرره القرآن من أن الله سبحانه خلق الإنسان ابتداء في أحسن تقويم، وأنه لا يزول عن مكانه هذا إلا بغفلته عن الله، وأنه مبتلي بالخير والشر، وأن فيه الاستعداد للترجيح والاختيار - مع الاستعانة بالله، الذي يعين من يجاهد لرضاه!

{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون} [التين: 4 - 6] ، {ونفس وما سوّاها، فألهما فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها} [الشمس: 7 - 10] ، {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا، إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان: 2 - 3] ، {إن سعيكم لشتى ... فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى} [الليل: 4 - 10] ، {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] .

ويقابله كذلك ويصححه ما سق تقريره من أن قدر الله في الناس يتحقق فيهم من خلال إرادتهم في ذات أنفسهم، وفي الحياة من حولهم.

ويرد الأمر في النهاية إلى ما أسلفنا من الحديث عن قدر الله في مطلع هذه الفقرة.

على أن التصور الإسلامي يعلّم المسلم أن الله فرض عليه تكاليف واضحة، ونهاه عن أمور كذلك واضحة، وهذه وتلك محددة لا شبهة فيها ولا غبش، مكشوفة للعلم الإنساني لا غيب فيها ولا مجهول، وهذه وتلك هي التي يحاسبه عليها، أما أمر الغيب والقدر وما هو مخبوء وراء النظر، فأمور لم يكلف الله المسلم بالبحث فيها، ولم يأمره بشيء يتعلق بها، غير الاعتقاد بقدر الله خيره وشره.

ومن ثم فطريق المسلم الواضح محدد مستقيم ... طريقه أن ينهض بالتكاليف الواضحة - ما استطاع - وأن يجتنب النواهي المحددة كما نُهي، وأن يشتغل بمعرفة ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، ولا يبحث في شيء وراءهما من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت