الصفحة 73 من 114

أما وجود الشر في ذاته، وما ينشأ عنه من الألم في كل صورة، ولماذا يوجد، والله قادر على ألا يوجده ابتداء، ولو شاء لهدى الناس جميعًا، ولو شاء لخلق الناس كلهم مهتدين ابتداء؟ أما هذا السؤال فلا موضع له البتة في التصور الإسلامي!

إن الله قادر طبعًا على تبديل فطرة الإنسان - عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه - أو خلقه بفطرة أخرى، ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وأن يخلق الكون على هذا النحو الذي نراه، وليس لأحد من خلقه أن يسأله لماذا شاء هذا؟ لأن أحدًا من خلقه ليس إلهًا! وليس لديه العلم والإدراك - ولا إمكان العلم والإدراك - للنظام الكلي للكون، ولمقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود، وللحكمة الكامنة في خلقه كل كائن بطبيعته التي خلق عليها.

والله وحده هو الذي يعلم، لنه وحده هو الذي خلق الكون ومن فيه وما فيه، وهو وحده الذي يرى ما هو خير فينشئه ويبقيه، وهو وحده الذي يقدر أحسن وضع للخلق فينشئه فيه؛ {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] ، {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] ، {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة: 48] ، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] ، {ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] .

ولماذا؟ - في هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد ... المؤمن الجاد لا يسأله، لأنه أكثر أدبًا مع الله - الذي يعرفه من التصور الإسلامي بذاته وصفاته - ولأنه أكثر معرفة بمدى إدراكه البشري الذي لم يهيأ للعمل في هذا المجال ... والملحد الجاد لا يسأله كذلك، لأنه لا يعترف بالله ابتداء فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه سبحانه وأن هذا مقتضى ألوهيته، وأن اختياره هذا هو الخير قطعًا.

ولكنه سؤال يسأله مكابر لجوج، أو مائع هازل ... ومن ثم لا يجوز المضي معه في محاولة تبرير هذا الواقع بمعايير عقلية بشرية، لأنه بطبيعته أكبر من مستوى العقل البشري، وأوسع من المجال الذي يعمل فيه العقل، فإدراك أسباب هذا الواقع يقتضي أن يكون الإنسان إلهًا، ولن يكون الإنسان إلهًا، ولا بد له من أن يسلّم بهذه البديهية الواقعية، ويسلم بمقتضياتها كذلك [43] .

فأما الباعث على الشر، وتعرض الإنسان لضغطه - وهو ما يدفع إلى الشر والضلال والخطيئة - فالإسلام يقرر أنه أضعف من أن يكون مسلطًا على الإنسان تسليط قهر وغلبة ... إنما هو تسليط امتحان وابتلاء، فهو يتمثل في المعركة بين الإنسان والشيطان، ودون الشيطان والغلبة في هذه المعركة حاجز قوي من الإيمان وذكر الله والاستعاذة به، واللياذ بكنفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت