كيفيات فعل الله كلها، وكيفيات اتصال مشيئته بما يراد خلقه وإنشاؤه كلها ... ليس في مقدور العقل البشري إدراكها، والتصور الإسلامي يشير بتركها للعمل المطلق، والتدبير المطلق - مع الطمأنينة إلى تقدير الله وعدله ورحمته وفضله - فالتفكير البشري المحدود بحدود الزمان والمكان، وبالتأثرات الوقتية والذاتية، ليس هو الذي يدرك مثل هذه النّسَب وهذه الكيفيات، وليس هو الذي يحكم في العلاقات والارتباطات بين المشيئة الإلهية والنشاط الإنساني، إنما هذا كله متروك للإرادة المدبرة المحيطة والعلم المطلق الكامل ... متروك لله الذي يعلم حقيقة الإنسان، وتركيب كينونته، وطاقات فطرته وعمله الحقيقي، ومدى ما فيه من الاختيار، في نطاق المشيئة المحيطة، ومدى ما يترتب على هذا القدر من الاختيار من جزاء.
وبهذا وحده يقع التوازن في التصور، والتوازن في الشعور، والاطمئنان إلى الحركة وفق منهج الله، والتطلع معها إلى حسن المصير.
كذلك الحال فيما يسمونه؛"مشكلة الشر والألم".
ليست هناك مشكلة من وجهة النظر الإسلامية للأمر.
إن الإسلام يقول: إن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وإن الآخرة دار حساب وجزاء، والحياة في هذه الأرض مرحلة محدودة في الرحلة الطويلة، وما يقع للإنسان في هذه الأرض ليس خاتمة الحساب ولا نهاية المطاف، إنما هو مقدمة لها ما بعدها، واختبار تقدر له درجته هناك في دار الحساب.
بهذا يحل الإسلام الجانب الشعوري من هذه المشكلة في الضمير البشري، ويكسب فيه الطمأنينة والاستقرار، فالألم الذي يلقاه الخيّر في هذه الأرض من جراء وجود الشر والنقص فيها، ليس هو كل نصيبه، فهناك النصيب الذي يعادل بين كفتي الميزان في شطري الرحلة، والشطران موصولان، تسيطر عليهما إرادة واحدة، ويحكم فيهما حكم واحد لا يند عن علمه شيء ولا يختل في ميزانه شيء!
ثم هو يخاطب الحقيقة الشعورية التي يجدها الإنسان في أعمال ضميره ... وهي أن شعور المؤمن الخيّر الذي يحقق منهج الله في حياته، ويجاهد لتحقيقه في حياة البشر، يجد - وهو يعاني الألم من جانب الشر والأشرار - شعورًا مكافئًا من الرضى والسعادة في هذه الدنيا، قبل أن يجد جزاءه المدخر له في الآخرة، شعورًا ناشئًا عن إحساسه بأنه يرضى الله فيما يفعل، وأن الله يرضى عن جهاده الخيّر ... وهي شهادة من ذات البنية الحية، ومن طبيعة الفطرة البشرية، على أن الله جعل التكوين الفطري للإنسان، يجد جزاءه الحاضر في كفاح الشر والباطل، ونصرة الخير والحق، وأن له من التذاذة الكفاح في هذا الطريق، جزاء ذاتيًا من كيانه الداخلي، في ذات اللحظة التي يتحمل فيها الألم، وهو يواجه الشر والباطل، ويكافحهما ما استطاع، وأن العوض كامن في ذات الفطرة وفي الاطمئنان إلى حسن الجزاء في الدنيا والآخرة، ولهذا الاطمئنان أثره حتى قبل يوم الحساب الختامي في دار الحساب.
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ، {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} [الزمر: 22] ، {إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون، نزلًا من غفور رحيم} [فصلت: 30 - 32] ، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] ، {قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون} [التوبة: 52] .